قال الجنّ وأنا منا الصالحون أي : العريقون في صفة الصلاح، قال الجلال المحلي بعد استماع القرآن ومنا دون ذلك أي : قوم غير صالحين كنا أي : كوناً هو كالجبلة طرائق قدداً أي : جماعات متفرّقين وأصنافاً مختلفة، قال سعيد بن المسيب : معنى الآية كنا مسلمين ويهوداً ونصارى ومجوساً، وقال الحسن والسدّي : الجنّ أمثالكم فمنهم قدرية ومرجئة ورافضة وخوارج وشيعة وسنية. وقال ابن كيسان : شيعاً وفرقاً لكل فرقة هوى كأهواء الناس. وقال سعيد بن جبير : ألواناً شتى. وقال أبو عبيدة : أصنافاً وقيل : منا الصالحون ومنا المؤمنون، لم يتناهوا في الصلاح.
قال القرطبي : والأوّل أحسن لأنه كان في الجنّ من آمن بموسى وعيسى، وقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا : إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى مصدقاً لما بين يديه [ الأحقاف : ٣٠ ] وهذا يدل على إيمان قوم منهم بالتوراة.
تنبيه : القدد جمع قدة والمراد بها الطريقة وأصلها السيرة، يقال : قدة فلان حسنة، أي : سيرته وهو من قدّ السير، أي : قطعه، فاستعير للسيرة المعتدلة. قال الشاعر :
| القابض الباسط الهادي بطلعته | في فتنة الناس إذ أهواؤهم قدد |
| لم تبلغ العين كل نهمتها | يوم تمشي الجياد بالقدد |
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني