ﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬ

ثم قالوا :
وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً * وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعْجِزَ اللَّهَ فِي الأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً * وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً * وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً * وَأَلَّوِ اسْتَقَامُواْ عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقاً * لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً .
يقول الحق جلّ جلاله : في مقالة الجن : وأنَّا منا الصالحون أي : الموصوفون بصلاح الحال، في شأن أنفسهم مع ربهم، وفي معاملتهم مع غيرهم، ومنا دونَ ذلك أي : ومنا قوم دون ذلك، وهم المقتصدون في الصلاح، غير الكاملين فيه على الوجه المذكور، لا في الإيمان والتقوى، كما يتوهم، فإن هذا بيان لحالهم قبل استماع القرآن، كما يُعرب عنه قوله تعالى : كنا طرائِقَ قِدداً أي : مذاهب متفرقة، وأدياناً مختلفة، وأما حالهم بعد استماعهم، فسيحكي بقوله تعالى : وأنا لَمَّا سمعنا الهدى. . . الخ، أي : كنا قبل هذا ذوي طرائق، أي : مذاهب قِدَداً أي : متفرقة مختلفة، جمع قِدّة، من : قَدَّ إذا شقّ، كقِطعة من قطع. قاله أبو السعود.
وقال الثعلبي : وأنَّا منا الصالحون السبعة الذين استمعوا القرآن، ومنا دون ذلك دون الصالحين، كنا طرائق قددا أهواء مختلفة، وفِرقاً شتى، كأهواء الإنس، قيل : وقوله : وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك ، يعنون بعد استماع القرآن، أي : منا بررة أتقياء، ومنا دون البررة، وهم مسلمون، وقيل : معناه : مسلمون وغير مسلمين، قال المسيب : كانوا مسلمين ويهوداً ونصارى، وقال السدي : طرائق قددا قال : في الجن مثلكم، قدرية، ومرجئة، ورافضة، وشيعة. ه. والحاصل : أن " دون " صفة لمحذوف، وهي إمّا أن تكون بمعنى الأدون، فيكون الجميع مسلمين، لكنهم متفاوتون، أو بمعنى " غير " فيكون المعنى : منا المسلمون ومنا غير المسلمين، كنا مذاهب متفرقة ؛ نصارى ويهود ومجوس كالإنس، والظاهر : أنه قبل استماع القرآن، بدليل ما يأتي في قوله : وأنَّا لمَّا سمعنا الهُدى. . . الخ.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : تقدّم أنَّ الجن فيهم الصالحون والعارفون، إلاّ أنَّ معرفة الآدمي أكمل ؛ لاعتداله، وأما دوائر الأولياء من الأقطاب، والأوتاد، والنقباء، والنجباء، وغير ذلك، فلا تكون إلاّ من الإنس ؛ لشرفهم. قوله تعالى : وأنا ظننا ألن نُعجز اللهَ في الأرض... الخ، أي : تيقَّنا ألاّ مهرب منه، فرجعنا إليه اختباراً، فنحن ممن انقاد إليه بملاطفة الإحسان، لا بسلاسل الامتحان، وأنَّا لمّا سمعنا الهُدى آمنا أي : أجبنا الداعي بلا تلَعْثم ولا تردد، وكذا في كل داعٍ بعد الداعي الأكبر، فيكون السابقون في كل زمان، وهؤلاء سابِقو الجن ومقربوهم، فمَن يؤمن بربه، ويتوجه إليه، فلا يخاف نقصاً ولا ذُلاًّ، بل كمالاً وعِزًّا، من أي فريق كان، وأنّا منا المسلمون المنقادون لأحكامه تعالى، التكليفية والتعريفية، وهي الأحكام القهرية، فمَن استسلم ورَضِي فقد تحرّى رشداً، ومَن قنط وسخط كان لجهنم حطباً، وأن لو استقاموا على الطريقة المرضية بالرضا والتسليم، وترك الاختيار ؛ لأسقيناهم من خمرة الأزل، ومن ماء الحياة، ماءً غدقاً، تحيا به قلوبهم وأرواحهم، فيتنعّمون في شهود الذات الأقدس في الحياة وبعد الممات. قال القشيري : الاستقامة تقتضي إكمالَ النعمةِ، وإكساب الراحة، والإعراضُ عن الله يُوجب تَنَقُّصَ النعمة ودوام العقوبة. هـ.
وقوله : لِنفتنهم ؛ لنختبرهم، مَن يعرف قدرها فيشكر، أو لا يعرف قدرها فيُنكر، فيُسلب من حيث لا يشعر. والله تعالى أعلم.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير