وأنَّا كنا نقعُدُ منه أي : من السماء، قبل هذا الوقت، مقاعِدَ للسمعِ ، لاستماع أخبار السماء، يعني : كنَّا نجد بعض السماء خالية من الحرس والشُهب قبل المبعث، فنقعد نسترق، وقد فسّر في الحديث صفة قعود الجن، وأنهم كانوا واحداً فوق واحد، فمتى احترق الأعلى طلع الذي تحته مكانه، فكانوا يسترقون الكلمة، فيُلقونها إلى الكُهان، ويزيدون معها، ثم يزيد الكُهانُ للكلمة مائة كذبة١.
هذا قبل المبعث، وأمّا بعده فأشار إليه بقوله : فمَن يستمعِ ؛ يريد الاستماع الآنَ بعد المبعث يجدْ له شِهَاباً رصداً أي : شهاباً راصداً له ولأجله، يصده عن الاستماع، أو هو اسم جمع لراصد، على معنى : ذوي شهاب راصدين بالرجم، وهم الملائكة الذين يرجمونهم بالشُهب، ويمنعونهم من الاستماع، والجمهور على أن ذلك لم يكون قبل مبعث نبينا صلى الله عليه وسلم، وقيل : كان الرجم في الجاهلية، ولكن الشياطين كانت تسترق في بعض الأوقات، فمُنعوا من الاستراق أصلاً بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم. قلت : وهذا هو الظاهر، وأنّ الرمي كان موجوداً قبل البعثة، إلاَّ أنه قليل، وأشعار الجاهلية محشوة بذلك. انظر الثعلبي. ورُوي في بعض الأخبار : أنّ إبليس كان يسترق السمع من السموات، فلما وُلد عيسى عليه السلام وبُعث، حُجبت الشياطين عن ثلاث سموات، فلما وُلد محمد صلى الله عليه وسلم حُجبت عن السموات كلها، وقُذفت بالنجوم، ه.
وذكر أبو جعفر العقيلي، بإسناد له إلى لهب بن مالك، قال : حضرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت عنده الكهانة، فقلت : بأبي أنت وأمي ؛ نحن أول مَن عرف حراسة السماء، ورصد الشياطين، ومنعهم من استراق السمع عند قذف النجوم، وذلك أنا جئنا إلى كاهن لنا، يُقال له " خطل "، وكان شيخاً كبيراً، قد أتت عليه مائتا سنة وثمانون سنة، فقلنا : يا خطل ؛ هل عندك علم بهذا النجوم التي يُرمى بها، فإنّا قد فزعنا منها، وخفنا سوءَ عاقبتها، فقال : ائتوني بسَحَر أُخبركم الخبر، ألِخَيْر أم ضرر، أم لأمن أو حذر، فأتيناه غداً عند السحَر، فإذا هو قائم على قدميه، شَاخص إلى السماء بعينيه، فناديناه : يا خطل، فأومأ إلينا : أن أمسكوا، فانقضّ نجم عظيم من السماء، وصرخ الكاهن رافعاً صوته : أصابه إصابة، خامره عقابه، عاجله عذابه، أحرقه شهابه، ثم قال : يا معشر قحطان، أخبركم بالحق والبيان، أُقسم بالكعبة والأركان، لمُنع السمع عُتَاةٌ الجان، لِمولود عظيم الشأن، يُبعث بالتنزيل والقرآن، وبالهدى وفاصل الفرقان، يَمنع من عبادة الأوثان. فقلنا : ما ترى لقومك ؟ فقال : أرى لقومي ما أرى لنفسي، أن يتبعوا خير نبي الإنس، برهانه مثل شعاع الشمس، يُبعث من مكة دارَ الحُمْس، يحكم بالتنزيل غير اللبس، فقلنا : وممَّن هو ؟ فقال : والحياة والعيش، إنه لمن قريش، ما في حلمه طيش، ولا في خَلقه هيش، يكون في جيش، وأيّ جيش ! ! فقلنا : بَيِّن لنا مِن أي قريش هو ؟ فقال : والبيت ذي الدعائم، والديار والحمائم، إنه لمن نجل هاشم، من معشرٍ أكارم، يُبعث بالملاحم، وقتلِ كل ظالم، هذا هو البيان، أخبرني به رئيس الجان، ثم قال : الله أكبر، جاء الحق وظهر، وانقطع عن الجن الخبر. ه.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي