ولقد تكررت حكاية المحاورات المفروض وقوعها بين الناجين المؤمنين والخاسرين الكفار في الآخرة، حينما يصير كل منهم إلى مصيره، كما تكررت حكاية اعتراف الكفار وندمهم وحسرتهم، مثل ما جاء في آيات سورة الأعراف هذه : وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ( ٤٤ ) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ( ٤٥ ) [ ٤٤- ٤٥ ] ومع واجب الإيمان بوقوع ما احتوته الآيات من مشهد أخروي فإن من الحكمة الملموحة في ذلك قصد الإنذار والتنديد وإثارة الخوف في نفوس الكفار، حتى يرعووا ويرتدعوا.
تعليق على عقيدة الشفاعة والشرك عند العرب وهدفها واستطراد
إلى حقيقة فائدة الشفاعة للمؤمنين
وما ورد في ذلك من آيات وأحاديث
ولقد حكت آيات قرآنية عديدة عقائد العرب بالشفاعة بأسلوب يدل على أن ذلك كان يمثل عقيدة الشرك عندهم أو عند أكثريتهم الكبرى، فقد كانوا يعترفون بالله كالإله الأعظم الخالق المدبر الضار النافع، على ما حكته آيات كثيرة مثل آيات سورة المؤمنين هذه : قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ( ٨٤ ) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ( ٨٥ ) قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ( ٨٦ ) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ( ٨٧ ) قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ( ٨٨ ) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ( ٨٩ ) [ ٧٤- ٨٩ ]، وآية سورة الزخرف هذه : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ( ٩ ) ، وآية سورة العنكبوت هذه : فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ( ٦٥ ) ، وآية سورة الزمر هذه : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون( ٣٨ ) ، وآية سورة يونس هذه : قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُون( ٣١ ) .
ثم يشركون به غيره في العبادة والاتجاه والدعاء، بقصد الاستشفاع على ما جاء في آيات كثيرة منها آية سورة يونس هذه : وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ ( ١٨ ) وآية سورة الزمر هذه : ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار( ٣ ) .
والراجح أن معنى الآية التي نحن في صددها متصل بهذه العقيدة بقصد تزييفها، وإفهام أصحابها أنهم على ضلال وخسران. وقد تكرر ذلك في آيات عديدة كمثل آيات سورة الزمر هذه : أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون ( ٤٣ ) قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون( ٤٤ ) [ ٤٣- ٤٤ ]، وآية سورة الزخرف هذه : وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ( ٨٦ ) وآية سورة النجم هذه : وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى( ٢٦ ) .
وأكثر الآيات القرآنية تلهم أن الشفعاء الذين كانوا يعتقدون بهم ويشركونهم مع الله هم الملائكة في الدرجة الأولى، على اعتبار أنهم بزعمهم بنات الله وأصحاب الحظوة لديه، على ما شرحناه في سياق سابق من السورة وعلى ما جاء في آية سورة سبأ هذه : ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون( ٤٠ ) . ولعل ذلك آت من قياس الله تعالى في أذهانهم على ملوك الدنيا وأصحاب القوة والسلطان فيها، الذين تحول مشاغلهم ومراكزهم بينهم وبين أصحاب المصالح فيرى هؤلاء أنه لا بد لهم من وسطاء إليهم. وفي اعتبار ذلك شركا مع إيمان العرب بالله وعظمته ينطوي معنى التوحيد الرائع في الإسلام الذي لا يتحمل أي شائبة أو ملابسة بأي تأويل كان.
وعلى كل حال، ففي الآية وما جاء في بابها من آيات تلقين مستمر المدى بضلال الاعتماد على شفاعة الشافعين إذا لم يكن المرء من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وبأن الشافعين مهما علت مرتبتهم عند الله لا يمكن أن يشفعوا إلاّ لمن حاز مبدئياً رضاء الله وآمن به واتقاه وفي هذا ما فيه الوازع والحافز.
ولقد قلنا في سياق التعليق على الحياة الأخروية : إن المشركين الذين تحكي الآية قولهم كانوا لا يؤمنون بهذه الحياة ولا يخافونها. وما حكته عنهم آية في هذه السورة تأتي بعد قليل. وقد يرد بناء على ذلك سؤال عن هدف الشفاعة التي كان المشركون يرجونها من الشفعاء المحظيين عند الله. والجواب المتبادر هو أنهم كانوا يفعلون ذلك لضمان قضاء مصالحهم ومآربهم في الدنيا من دفع الضرر وجلب النفع والخير على اختلاف المجالات والحالات والأنواع. وهذا هو ما كانوا يتوخونه بصورة عامة من عبادة الله وعبادة الشركاء على اختلاف مظاهرها وطقوسها. ولقد احتوت آيات عديدة أوردنا بعضها آنفا إيذانا بأن الذين يعبدونهم من دون الله ويشركونهم معه بقصد جلب النفع والخير ودفع الضر والشر في الدنيا لن ينفعوهم في ذلك، فأرادت الآية التي نحن في صددها على ما هو المتبادر إيذانهم أن شركاءهم المحظيين عند الله لن ينفعوهم في الآخرة أيضا لو قالوا في أنفسهم ذلك إذا كان ما ينذر النبي به حقاً.
ونستطرد إلى القول إن [ في ] القرآن آيات عديدة تقرر نفع الشفاعة وانفساح المجال لها لمن يأذن الله ويرضى ويتخذ عنده عهداً منها آيات سورة النجم [ ٢٦ ] وسورة الزخرف [ ٨٦ ] التي أوردناها قبل قليل وآية سورة مريم هذه : لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا( ٨٧ ) ، وآية سورة طه هذه : يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمان ورضي له قولا( ١٠٩ ) .
كما أن هناك أحاديث صحيحة عديدة تذكر شفاعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم والأنبياء عليهم السلام وبعض فئات المؤمنين للمؤمنين. منها حديث رواه الترمذي عن أنس قال :( سألت النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يشفع لي يوم القيامة فقال : أنا فاعل... )١ وحديث رواه الترمذي أيضا عن عوف بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( أتاني آت من عند ربّي فخيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة، فاخترت الشفاعة وهي لمن مات لا يشرك بالله شيئاً )٢.
وحديث عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( أنا أول الناس يشفع في الجنة وأنا أكثر الناس تبعا )٣. وحديث رواه الترمذي وأبو داود عن جابر قال :( قال النبي صلى الله عليه وسلم : شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي )٤.
وحديث رواه الاثنان أيضا عن أبي سعيد قال :( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن من أمتي من يشفع للفئَام ومنهم من يشفع للقبيلة، ومنهم من يشفع للرجل حتى يدخلوا الجنة )٥. وحديث رواه الاثنان كذلك عن أبي الدرداء قال :( قال النبي صلى الله عليه وسلم : يُشفّع الشهيد في سبعين من أهل بيته )٦، وحديث رواه ابن ماجه عن عثمان قال :( قال النبي صلى الله عليه وسلم يشفعُ يوم القيامة ثلاثة الأنبياءُ ثم العلماءُ ثم الشهداءُ )٧.
وهناك بضعة أحاديث صحيحة طويلة في شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم للناس جميعاً للقضاء فيهم يوم القيامة حين يطول عليهم الأمر والجهد، ويعتذر الأنبياء ويدلّون الناس على النبي فيسجد لله، ويطلب منه الإذن في الشفاعة فيؤذن له٨.
ومما جاء في بعضها ( أن الله لما يأذن للنبي بالشفاعة يقول يا رب أمّتي أمّتي فيقال له : انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان فأخرجه منه، فأنطلق فأفعل، ثم أرجع إلى ربّي فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجداً فيقال لي : يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول : أمتي أمتي فيقال لي : انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه منها، فانطلق فأفعل، ثم أعود إلى ربّي فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجداً فيقال لي : يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك، وسل تعطه واشفع تشفع فأقول : يا ربّ أمتي أمتي فيقال لي : انطلق فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار فأنطلق فأفعل ).
والإيمان بما جاء في الآيات القرآنية وما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم واجب مع الإيمان بأنه لا بد لذلك من حكمة. والمتبادر من فحوى الآيات والأحاديث أن من تلك الحكمة تقرير كون السعادة والنجاة في الإيمان بالله وحده والعمل الصالح الذي يرضى عنه الله والترغيب في ذلك. وفي ذلك ما فيه من الفوائد الجليلة في الدنيا بالإضافة إلى مثل ذلك في الآخرة.
التفسير الحديث
دروزة