إلى ربها متعلق بما بعده ناظرة برؤية البصر بلا كيف ولا جهة ولا ثبوت مسافة ولا بقياس الغائب على الشاهد خبر ثان لوجوه، وأخرج الآجري والبيهقي في كتاب الرؤية من طريقين عن ابن عباس قال وجوه يومئذ ناضرة قال : حسنة إلى ربها ناظرة نظرة إلى الخالق وأخرجوا عن الحسن نحوه، وعن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجه غدوة وعشية ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : وجوه يومئذ ناضرة ٢٢ إلى ربها ناظرة ٢٣ ١ رواه أحمد والترمذي والدارقطني واللالكائي والآجري نحوه وفي لفظ الآجري ( أدنى أهل الجنة منزلة من ينظر في مكله مسيرة ألفي عام يرى أقصاه ) كما يرى أدناه وفي الباب حديث أنس رواه البزار والطبراني والبيهقي وأبو يعلى بطوله وفيه ( يوم الجمعة يزداد فيها نظرا إلى وجهه تعالى ولذلك دعي يوم المزيد ) رواه البزار والأصفهاني عن نحوه، وأخرج الآجري عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( إن أهل الجنة يرون ربهم كل جمعة ) وعن الحسن مرسلا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن أهل الجنة ينظرون إلى ربهم كل جمعة ) الحديث أخرجه يحيى بن سلام وعن أنس مرفوعا ( قال الله تعالى من سلبت كريمتيه جزائه الحلول في داري والنظر إلى وجهي ) رواه الطبراني وغيره، وحديث جرير البجلي قال : كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ نظر إلى القمر ليلة البدر فقال :( إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها )٢ متفق عليه وكذا روى اللالكائي عن حذيفة وفي الصحيحين عن أبي هريرة نحوه، وعن زيد بن ثابت قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ( اللهم إني أسألك برد العيش بعد الموت ولذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضرار مضرة ولا فتنة مضلة ) رواه اللالكائي، وعن عبادة بن صامت ( لن تروا ربكم حتى تموتوا ). رواه الدارقطني وكذا رواه اللالكائي عن أبي هريرة وأخرج أبو النعيم في الحلية عن ابن عباس قال : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم رب أرني أنظر إليك قال : قال الله تعالى يا موسى إنه لا يراني حي إلا مات ولا يابس إلا تدهده ولا رطب إلا تغرق وإنما يراني أهل الجنة لا تموت أعينهم ولا تبلى أجسامهم ) وعن علي في قوله تعالى : فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا قال : من أراد أن ينظر إلى خالقه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك به أحدا رواه البيهقي. وبالجملة صح تفسير هذه الآية وتفسير قوله تعالى : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ٣ وقوله تعالى : ولدينا مزيد ٤ وغيره من الآيات برؤية الله تعالى مسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه التابعين بحيث بلغت مبلغ التواتر عند أهل الحديث كذا ذكر السيوطي وغيره وبما ذكرنا في هذا المقام كفاية ونذكر في تفسير كل رية منها ما يتعلق به إن شاء الله تعالى، وعلى رؤية الله تعالى انعقد إجماع أهل السنة والجماعة وخالفهم أهل الهواء من المعتزلة والخوارج وغيرهم بامتناعها زعما منهم بأنها تتوقف على كون المرئي حسما كثيفا بلا حجاب وكون المسافة بين الرائي والمرئي متوسطة لا في غاية القرب ولا في غاية البعد وخروج شعاع البصر من الرائي ووصوله إلى المرئي المقتضى ثبوت الجهة له تعالى، واستدلوا على امتناع الرؤية من المنقول بقوله تعالى : لا تدركه الأبصار ٥ وقالوا : تأويل هذه الآية أن ناظرة بمعنى منتظرة أمر ربها وإنعامه ويأبى عنه العربية فإن الانتظار يتعدى باللام دون إلى والنظر بالبصر يعدى بإلى، وقال أهل السنة الرؤية لا تتوقف إلا على كون المرئي موجودا وكذلك في جانب الرائي لا يشترط إلا الوجود والحياة والعلم والإبصار وأما توقف الرؤية على غير ذلك من الشرائط فأمر عادي في خصوص المادة ولا يجوز قياس الغائب على الشاهد ولا شك أن الله سبحانه وتعالى يرى خلقه من الماديات والمجردات من غير مسافة بينهما ولا خروج شعاع وهو السميع البصير كيف ينكر كونه مرئيا بعدما نطق به البشير النذير وقوله تعالى : لا تدركه الأبصار وإنما ينفي الدرك وهو يقتضي الإحاطة وحصول العلم بكنهه وذلك محال وأما العلم الحضوري بالكنه بمعنى حضور كنه المعلوم عنه العالم فليس بمحال لكنه متعال عن درك الأبصار والله تعالى أعلم.
فائدة : هذه الآية تدل على أنهم يرون الله تعالى دائما مستمرا لا ينقطع رؤيتهم كما يدل على دوام النضرة لهم أبدا فإن الجملة الاسمية للدوام والاستمرار ولا منافاة بينها وبين ما ثبت بالأحاديث أن من الناس من يرى الله تعالى كل جمعة منهم من يرى الله تعالى في كل جمعة أي أسبوع مرتين كذا أخرج ابن أبي الدنيا عن أبي أمامة، ومنهم من يرى ربه في مقدار كل عيد لهم في الدنيا يعني في كل سنة مرتين كذا روى يحيى بن سلام عن أبي بكر بن عبد الله المزني، ومنهم من يرى في كل يوم مرتين غدوة وعشية كما مر من حديث ابن عمر لأن ثبوت دوام الرؤية إنما هو لجمع منكر وهي لا تدل على العموم أو بقدر ما هو خص من المؤمنين فيقدر المقربين فتقديره وجوه المقربين يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة دائما أبدا، أخرج أبو نعيم عن أبي يزيد البسطامي قال : إن الله تعالى خواص من عباده لو حجبهم في الجنة عن رؤية لاستغاثوا كما يستغيث أهل النار بالخروج من النار فظهر أن الناس في الرؤية على درجات لا تكاد تجمع، وليس المقصود من الأحاديث استيفاء رجائهم ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم :( أكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية ) أنهم من أكرمهم وهذا لا يقتضي أن لا يكون أحد أكرم منهم وإذا تقرر هذا فاعلم أن الذين يدومون النظر إلى الله تعالى أعلم بهم هم الأنبياء والمقربون من العباد الواصلين إلى الذات المجرد عن الشيون والاعتبارات الذين كان حظهم في دار الدنيا من الذات التجلي الدائمي لا كالبرق الخاطف لأن من كان حظه في دار الدنيا دوام التجلي ولم يكن له الرؤية في الدنيا لعدم صلاحيته تعين هذه النشأة الرؤية كما أشير إليه في حديث ابن عباس عند أبي نعيم في الحلية فإذا زال المانع فلا جرم ينظر ذلك الرجل إلى الله دائما وإلا لزم انعكاس الأمور ورجوعه القهقرى ومن لم يكن في الدنيا دوام التجلي والحضوري فيكون الرؤية لهم على تفاوت الدرجات فمن كان حظه تجليا برقيا يرى في كل يوم مرتين أو مرارا من لم يكن كذلك ففي كل جمعة أو شهر أو سنة على ما شاء الله.
فائدة : قال المجدد رضي الله عنه في المكتوب المائة من المجلد الثالث في تحقيق سر اشتغال قلب يعقوب عليه السلام بمحبة يوسف عليه السلام : مع أن قلوب الخواص من الناس تكون فارغة عن حب غير الله تعالى أن جنة كل رجل عبارة عن ظهور اسم من أسماء الله تعالى الذي هو مبدأ التعين ذلك الرجل وأن ذلك الاسم يتجلى بصورة الأشجار والأنهار والقصور والحور والغلمان واستحكم هذا المكشوف بقوله صلى الله عليه وسلم :( إن الجنة طيبة التربة عذبة – أي أنهارها- قيعان وإن غراسها هذه يعني سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر )٦ ثم قال المجدد رضي الله عنه إن تلك الأشجار والأنهار قد تصير في حين من الأحيان على هيئة الأجرام الزجاجة فتصير وسيلة إلى رؤية الله سبحانه غير متكيفة ثم تعود إلى حالها الذي كانت عليه فيشتغل المؤمن بنفسها وهكذا إلى أبد الآبدين، وقال : كما أن التجلي الذاتي للصوفي في الدار الدنيا تكون من وراء حجب الأسماء أو الصفات وقد يرتفع تلك الحجب فيحصل له التجلي الذاتي كالبرق الخاطف كذلك حال الرؤية في الآخرة لكل رجل يتعلق بذات الله سبحانه وتعالى باعتبار اسم هو مبدأ الجنة وتجلى وتمثل لجنة وتلك الرؤية تكون كالبرق الخاطف في زمان يسير ثم تحجب عنه ويبقى نوره وبركته من وراء نعيم الجنة وأشجارها، قلت : هذا تحقيق رؤية العوام من أهل الجنة وأما الخواص منهم فلما كان التجلي لهم في الدنيا دائما فكذلك الرؤية تكون لهم دائما. فإن قيل : قال المفسرون تقديم الجار المجرور في قوله تعالى : إلى ربها ناظرة ٢٣ يقتضي الحضر ويفيد أنهم إذا أراد ربهم يستغرقون في رؤيته تعالى لا ينظرون حينئذ إلى غيره ويؤيده حديث جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع عليهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب تبارك وتعالى قد أشرف عليهم من فوقهم فقال : السلام عليكم يا أهل الجنة وذلك قوله تعالى : سلام قولا من رب رحيم ٥٨ قال :( فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم وما داموا ينظرون إليه حتى يحجب عنهم ويبقى نوره وبركته في ديارهم )٧ رواه ابن ماجه وابن أبي الدنيا والدارقطني فحينئذ لو كان لبعض الناس دوام الرؤية فكيف يتصور الحصر وعدم الالفتات إلى النعيم دائما ؟ قلنا : إفادة الحصر ممنوع وتقديم الجار والمجرور لرعاية الفواصل ولعل الالتفات إلى النعيم في حق ذلك البعض لا يزاحم الرؤية بل تكون نعيم الجنة في حقه مثل الأجرام الزجاجية أبدا مؤبدة للرؤية وذلك الصوفي يجمع له الرؤيتان رؤية حجاب ورؤية بتوسط النعيم ومع ذلك يرى النعيم ويلتذ به أيضا وإن من هذا شأنه فلن يشغله شأن عن شأن وأما غيره من أهل الجنة فالالتفات إلى نعيم الجنة يشغلهم عن الرؤية وبالعكس لضيق استعدادهم، أو نقول معنى الحصر في حق من له الرؤية وأما ما روي من حديث جابر فهو حكاية عن حال عامة أهل الجنة، لا يقال : سلمنا أن التفاتهم النعيم لا يشغله عن الرؤية فكيف يجوز له التوجه إلى النعيم مع حصول شرف الرؤية لما ذكرنا أن نعيم الجنة أسماء الله تعالى فلا محذور في الالتفات إليها مع الرؤية.
فائدة : وقع في بعض كلام الأئمة أن رؤية الله خاصة لمؤمن البشر وأن الملائكة لا يرونه ونص البيهقي على خلافه محتجا بحديث عبد الله بن عمرو ابن العاص قال : خلق الله تعالى الملائكة بعبادته أصنافا وإن منهم الملائكة قياما صافين من يوم خلقهم إلى يوم القيامة فإذا كان يوم القيامة تجلى لها تبارك وتعالى فنظروا إلى وجه الكريم وقالوا : ما عبدناك حق عبادتك، وأخرج نحوه من وجه آخر عن عدي بن أرطان عن رجل من الصحابة وبما ذكرنا رؤية كل رجل على حسب مبدأ تعينه يظهر فضل الملائكة على عوام مؤمني البشر لكون مبادي تعيناتهم فوق مبادي تعينات البشر كما حققه المجدد رضي الله عنه وبما ذكرنا رؤية الخواص لبشر دائمة غير منقطعة يظهر فقيل : خواص البشر أفضل على خواص الملائكة كما بين في كتب العقائد.
٢ أخرجه البخاري في كتاب: مواقيت الصلاة، باب: فضل صلاة العصر (٥٥٤)، وأخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاتي الصبح والعصر (٦٣٣)..
٣ سورة يونس، الآية: ٢٦..
٤ سورة ق، الآية: ٣٥..
٥ سورة الأنعام، الآية: ١٠٣..
٦ أخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات (٣٤٦٢)..
٧ أخرجه ابن ماجه في افتتاح الكتاب، باب: فيما أنكرت الجهمية (١٨٤)، وفيه رجل يغلب عليه الوهم..
التفسير المظهري
المظهري