إِلى ربها ناظرةٌ أي : مستغرِقة في مشاهدة جماله، فتغيب عما سواه. ورؤيته تعالى يوم القيامة متفاوتة، يتجلّى لكل واحد على قدر ما يطيق من نور ذاته على حسب استعداده في دار الدنيا، فيتنعّم كل واحد في النظرة على قدر حضوره هنا، ومعرفته.
ورؤيته تعالى جائزة في الدنيا والآخرة، واقعة في الدارين عند العارفين، وهذه الآية شاهدة لذلك، وهي مخصَّصة لقوله : لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [ الأنعام : ١٠٣ ] أي : لا تراه، على قولٍ. قال بعضُهم : هي واقعة للمؤمنين قبل دخول الجنة وبعده، حسبما ورد في الصحيح. وقوله في الحديث :" فيأتيهم الله في الصورة التي لا يعرفونها " (١)، المراد بالصورة : الصفة، والمعنى : أنهم يرونه ثانياً على ما يعرفونه من صفاته العلية، وأهل المعرفة لا ينكرونه في حال من الأحوال.
والمقصود من الآية : تقبيح رأي حب العاجلة بذكر حسن عاقبة حب الآجلة، أي : كيف يذر العاقل مثل تلك المسرّة، التي ليس فوقها شيء، بدلاً من هذه اللذة الخسيسة الدنية، أم كيف يغتر بعروض هذا السرور وعاقبته الهلاك والثبور ؟ انظر الطيبي. وحَمْل النظر على الانتظار لأمر ربها، أو لثوابها، لا يصح خلافاً للمعتزلة ؛ لأنَّ الانتظار لا يُسْند إلى الوجه، وأيضاً : المستعمل بمعنى الانتظار لا يتعدّى ب " إلى "، مع أنه لا يليق الانتظار في دار القرار.
ومَن أسعده الله بلقاء شيخ التربية هان عليه معالجة النفس من غير تعب، في أقرب وقت، بحيث يُغيّبه عنها، ويزُجه في الحضرة، في أقرب زمان، فيدخل في قوله تعالى : وجوه يومئذ ناضرةٌ إِلى ربها ناظرةٌ فتحصل له النضرة والنظرة في الدنيا والآخرة، فيفنى عن نظره حسُّ الكائنات، وتظهر أسرار الذات الأزلية للعيان بادية، فيستدل بالله على غيره، فلا يرى سواه، وينشد ما قال الشاعر :
قال القشيري : قوله تعالى : وجوه يومئذٍ ناضرةٌ... الخ، يُقال : هذه الآية دليل على أنهم بصفة الصحو، ولا يداخلهم حيرة ولا دهش، لأنَّ النضرة من أمارات البسط، والبقاء في حال اللقاء أتم من اللقاء، والرؤية عند أهل التحقيق تقتضي بقاء الرائي.. الخ كلامه. ووجوه يومئذ باسِرة وهي وجوه أهل الغفلة، المحجوبين في الدنيا عن شهود الحق، تظن أن يُفعل بها داهية فاقرة، لِما فرّطت في جنبه ـ تعالى ـ من عدم التوجه إليه، كلاَّ، فلترتدع اليوم، ولتنهض قبل فوات الإبان، وهو إذا بلغت الروحُ التراقي، وقيل : مَن راقٍ ؟ والتفت الساق بالساق، إلى ربك يومئذ المساق، فيحصل الندم، وقد زلّت القدم، فلا صدّق بوجود الخصوصية عند أربابها، فيصحبهم ليزول عنه الغين والمرض، أي : غين الحجاب ومرض الخواطر والشكوك، ولا صلَّى صلاةَ القلوب، ولكن كذَّب بوجود الطبيب، وتولِّى عنه مع ظهوره، ثم ذهب إلى هواه ودنياه يتمطى، أَوْلَى لك فأَوْلى، أي : أبعدك الله وطردك، ثم أَوْلَى لك فأوْلى، أيحسب الإنسانُ أن يتركه الحقُ سدىً، من غير أن يُرسل له داعياً يدعوه إلى الحق ؟ ألم يك نطفة مهينة، ثم صوَّره ونفخ فيه من روحه، أليس ذلك بقادرٍ على أن يُحيي الموتى ؟ أي : القلوب والأرواح الميتة، بالعلم والمعرفة، بلى وعزة ربنا إنه لَقادر، " مَن استغرب أن يُنقذه الله من شهوته، وأن يُخرجه من وجود غفلته، فقد استعجز القدرة الإلهية، وكان الله على كل شيء مقتدراً " وبالله التوفيق، وصلّى الله على سيدنا محمد، وآله. فَلم يَبْق إلاّ الله لم يبقَ كائن فما ثَمَّ موصولٌ ولا ثَمَّ بائِنُ بِذَا جاء بُرهانُ العَيانِ فما أرى بِعَيني إلاَّ عينَه إذْ أُعايِنُ
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي