ﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕ

[سورة الإنسان (٧٦) : الآيات ١٣ الى ٢٢]

مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً (١٣) وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً (١٤) وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا (١٥) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً (١٧)
عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً (١٨) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً (١٩) وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً (٢٠) عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً (٢١) إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً (٢٢)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨» «٩» «١٠» «١١» «١٢» [الدّهر: ٧٦/ ١٣- ٢٢].
هذه مظاهر النعيم المادي في الجنة، لقد جزى الله الأبرار جنة الخلود، حيث يتكئون فيها على الأسرّة والفرش والوسائد، ولا يرون فيها الحرّ الشديد والبرد القارس، لاعتدال هوائها، وذهاب ضرورتي الحرّ والبرد عنها. ومسّ الشمس: أشدّ الحر، والزمهرير: أشد البرد.
وظلال الأشجار قريبة منهم، مظلّلة عليهم حيث لا شمس هناك، وأدنيت ثمارها لمتناوليها تسخيرا.
ويطوف عليهم الخدم بأواني الطعام، وهي من فضة، وبأكواب الشراب: وهي الكيزان التي لا عرى لها ولا خراطيم، وهي من فضة، فاجتمع لها بياض الفضة، وصفاء القوارير، وهي الزجاج، حتى يرى داخلها من خارجها. وشكلها وحجمها حسب إرادة أهل الجنة، بحسب تقديرهم ورغبتهم.
(١) حال من الضمير المنصوب في الآية السابقة:
(٢) مستندين بتمكّن وراحة على الوسائد والأسرّة.
(٣) بردا قارسا.
(٤) سهّلت عناقيدها المقطوفة.
(٥) الآنية: صحاف الطعام، والأكواب:
آنية الشراب وهي الأقداح المستديرة بلا عروة ولا خرطوم.
(٦) أوعية زجاجية.
(٧) نبات مطيب لرائحته الجميلة يوضع مع البهارات.
(٨) سميت بذلك لسلاسة انسياغها.
(٩) حرير رقيق.
(١٠) حرير سميك. [.....]
(١١) ألبسوا حلية.
(١٢) نقيّا من الشوائب.

صفحة رقم 2792

ويسقى الأبرار أيضا في هذه الأكواب في الجنة شرابا ممزوجة بالزنجبيل الحارّ أو بالكافور البارد، ليعتدل الشراب، وأما المقرّبون فيشربون من كلّ منهما صرفا.
ويسقون شرابهم هذا من عين في الجنة تسمى السلسبيل، سميت بذلك لسلاسة مائها، وسهولة جريها وانحدارها وإساغتها في الحلوق.
وصفة الخدم: أنه يطوف على أهل الجنة للخدمة ولدان، لهم صفة الخلود، لا يتغيرون عن تلك الحال، من الشباب والطراوة والنضارة، ولا يهرمون ولا يمرضون ولا يموتون، إذا رأيتهم في قضاء الحوائج رأيتهم في صباحة الوجوه، وحسن الألوان وجمال الثياب والحلي كأنهم اللؤلؤ المنثور، قال ابن كثير: ولا يكون في التشبيه أحسن من هذا، ولا في المنظر أحسن من اللؤلؤ المنثور على المكان الحسن. شبّههم بالمنثور، لأنهم سراع في الخدمة، أما الحور العين فشبّهن باللؤلؤ المكنون، لأنهن لا يمتهن بالخدمة.
وفي الجملة، يكون نعيمهم أنك إذا نظرت نظرا بعيدا في الجنة ونعيمها وسعتها وارتفاعها، وما فيها من الجمال والسرور، رأيت نعيما لا يوصف وسلطانا عظيما لا يقدر قدره.
أخرج ابن المنذر عن عكرمة قال: دخل عمر بن الخطاب على النّبي صلّى الله عليه وسلّم، وهو راقد على حصير من جريد، وقد أثّر في جنبه، فبكى عمر، فقال: ما يبكيك؟ قال:
ذكرت كسرى وملكه، وهرمز، وصاحب الحبشة وملكه، وأنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على حصير من جريد، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أما ترضى أن تكون لهم الدنيا، ولنا الآخرة، فأنزل الله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً (٢٠)
وملابسهم وحليّهم: هي أن الذي يعلوهم من اللباس: هو الحرير الرفيع الرقيق الأخضر، والديباج السميك، وحلّوا (ألبسوا الحلية) بأساور من الفضة، وسقاهم

صفحة رقم 2793

ربّهم بشراب غير ما سبق، يطهّر بواطنهم من الحسد والحقد والبغضاء والأذى، وسائر الأخلاق الرديئة، كما روي عن علي رضي الله عنه.
وعلّة هذا الفضل والنعيم: أنه يقال لهؤلاء الأبرار الممتّعين بالجنان، تكريما لهم وإحسانا إليهم: إن هذا المذكور من أنواع النعيم، كان لكم جزاء لأعمالكم، أي ثوابا لها، وجزاكم الله تعالى على القليل بالكثير، ويقبل طاعتكم، فشكر الله تعالى لعمل عبده: هو قبول لطاعته. وهذا مثل قوله تعالى في آية أخرى: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ [الحاقّة: ٦٩/ ٢٤]. وقوله تعالى: وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الأعراف: ٧/ ٤٣].
إنها نعم الله تعالى السابغة العظيمة، الدائمة، فليست نعم الله مقصورة على الدنيا، وإنما برحمة الله تشمل الآخرة، ونعم الآخرة أعظم وأكثر وأشمل من نعم الدنيا.
تثبيت النّبي صلّى الله عليه وسلّم في مواجهة أفعال قريش
كان كل رسول يواجه معارضة شديدة لدعوته من قومه أو المرسل إليهم، وكان هذا هو الظاهرة القائمة من أفعال قريش وأحوالهم، حيث نسبوا الرسول محمدا إلى الكهانة والسّحر، فثبّت الله تعالى رسوله محمدا صلّى الله عليه وسلّم، وبيّن للقوم أن القرآن كلام الله ووحيه، وأمره بالصبر على أذى قومه، وبالسّجود والصلاة، وبذكر ربّه بكرة وأصيلا، فهم قوم يؤثرون الدنيا على الآخرة، وشريعة الله ووحيه تذكرة وعظة لمن أراد النجاة بين يدي الله عزّ وجلّ، بمشيئة الله، وكل شيء من أفعال البشر لا يقع إلا بمشيئة إلهية، كما يتضح من الآيات الآتية:

صفحة رقم 2794

التفسير الوسيط

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر - دمشق
سنة النشر 1422
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية