*ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا ( ١٩ ) وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا ( ٢٠ ) عليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا ( ٢١ ) إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا ( ٢٢ )
والذين يطوفون على أهل النعيم والتكريم خدم من الغلمان فإنهم أخف في الخدمة- مخلدون باقون على ما هم عليه من الشباب والغضاضة والحسن لا يهرمون ولا يتغيرون ويكونون على سن واحدة على مر الأزمنة١- وتظنهم حين تنظر إليهم لؤلؤا متفرقا في جوانب المكان، وهذا أبهى مما لو كان منظوما ؛ وإنما جاء في وصف الحور العين كأمثال اللؤلؤ المكنون ٢ لأنهم مقصورات في خدورهن وخيامهن وقصورهن لا يطفن للخدمة، وأما الولدان فإنهم سراع في الخدمة يتفرقون حول المخدوم وينبثون ويتناثرون هنا وهناك ؛ وحين تبصر النعيم الذي هناك في الجنة تجده نعيما يفوق كل نعيم، وملكا لا يضاهيه ملك من الذي يعرف الناس ؛ ولباس أهل الجنة حرير رقيق يلي الجسد، وغليظ يعلوه للزينة، كلاهما أخضر اللون ؛ ويحلى أهل الجنة بأساور الذهب والجواهر وأساور الفضة، ذكرت الفضة في هذه الآية، وجاء ذكر الذهب في آية كريمة أخرى : إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير ٣.
وفي آية كريمة ثانية يقول الله جل علاه : جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير ٤ وآية مباركة ثالثة : أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس واستبرق متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب وحسنت مرتفقا ٥.
وسقاهم ربهم شرابا طهورا ويسقي الله تعالى أهل النعيم والكرامة شرابا لا رجس فيه كشراب الدنيا بل تطهر به الأجساد والأرواح فلا قذر بعد ذلك، بل العرق الذي كرشح المسك، ولا غل ولا ضغن، بل الأخوة والألفة- وعد الله لا يخلف الله وعده- ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين ٦ ثم يقال لهم تكريما، وتنعيما لأرواحهم- إن هذا لكم جزاء هذا ثواب ما عملتم وأجركم على ما قدمتم ؛ تجاوز الغفور والشكور عن السيآت، وتقبل الطاعات والأعمال الصالحات، وضاعف الحسنات ؛ وعد الصدق الذي كنتم توعدون.
يقول بعض اللغويين : عاليهم خبر مقدم، و ثياب مبتدأ مؤخر، و خضر صفة لثياب، كالذي وصفت به في قوله سبحانه ويلبسون ثيابا خضرا من سندس واستبرق .
ومما قال الألوسي : ولا ينافي ما هنا قوله تعالى : أساور من ذهب لإمكان الجمع بتعدد الأساور لكل، والمعاقبة بلبس الذهب تارة والفضة أخرى، والتبعيض بأن يكون أساور بعض ذهبا وبعض فضة لاختلاف الأعمال.. استشكل بأنها لا تليق بالرجل وإنما تليق بالنساء والولدان، وأجيب بأن ذلك مما يختلف باختلاف العادات والطبائع ؛ ونشأة الآخرة غير هذه النشأة، ومن المشاهد في الدنيا أن بعض ملوكها يتحلون بأعضادهم وعلى تيجانهم وعلى صدورهم ببعض أنواع الحلي.. فلا يبعد أن يكون من طباع أهل الجنة في الجنة الميل إلى الحلي : لا سيما وهم جرد مرد.. اهـ
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب