ﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫ

نحن خلقناهم لا غيرنا، وشَدَدْنا أسْرَهُم أي : قوّينا خِلقتهم حتى صاروا أقوياء، يُقال : رجل حسن الأسر : الخلق، وفرس شديد الأسر، أي : الخلقة، ومنه قوله لبيد(١) :

ساهِمُ الوجه شديدٌ أسْرُهُ مُشرِفُ الحاركِ محبوكُ الكَتَدْ
أو : أحكمنا ربط مفاصلهم بالأعصاب، أو : أخذنا ميثاقهم على الإقرار، وإِذا شئنا بدّلنا أمثالهم تبديلاً أي : إذا شئنا إهلاكهم أهلكناهم وبدّلنا أمثالهم في الخلقة ممن يطيع ولا يعصي. أو : بدلنا أمثالهم تبديلاً بديعاً لا ريب فيه، وهو البعث كما ينبئ عنه كلمة ( إذا ) لدلالتها على تحقُّق القدرة وقوة الداعية.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : إنّا أنزلنا عليك أيها الخليفة القرآن، أي : الجمع على ربك في قلبك وسرك، تنزيلاً مترتباً شيئاً فشيئاً على حسب التهذيب والتدريب، فاصبرْ لحُكم ربك، أي : ما حَكَم به عليك من قهرية الجلال، وارتكاب الأهوال، ومقاسات الأحوال، فإنَّ العاقبةَ شهودُ الكبير المتعالي، وبذلُ المُهج والأرواح قليل في حقه، ولا تُطع في حال سيرك آثماً يريد أن يميلك عن قصد السبيل، أو كفوراً بطريق الخصوص يريد أن يصرفك عنها، واذكر اسم ربك، أي : استغرق أنفاسك في ذكر اسمه الأعظم، وهو الاسم المفرد ؛ الله الله، فتكثر منه بكرة وأصيلاً، وآناء الليل والنهار، ومن الليل فاسجدْ له وسبَّحه ليلاً طويلاً، أي : ومن أجل ليل القطيعة اخضع وتضرَّع وسَبِّح في الأسحار، خوفاً من أن يقطعك عنه، فيظلم عليك ليل وجودك، فتحجب به عن ربك، إنَّ هؤلاء المحجوبين بوجودهم وحظوظِ نفوسهم، يُحبون العاجلة، فيؤثرون هواهم على محبة مولاهم، ويذرون وراءهم يوماً ثقيلاً، يوم يُساق أهل التخفيف من المريدين إلى مقعد صدق زُمراً، ويتخلّف أهل النفوس في موقف الحساب. إنَّ هذه تذكرة لمَن فتحت بصيرته وأبصر الحق وأهله، فمَن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً، بإيثار صحبته أهل الحق والتحقيق، حتى يردون به حضرة التحقُّق، لكن الأمر كله بيد الله، وما تشاؤون إلاَّ أن يشاء الله، فمَن شاء عنايته أدخله في رحمة هدايته، ومَن شاء خذلانه سلك به مسلك الضلالة، والعياذ بالله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.

١ يروى البيت بلفظ:
ساهم الوجه شديدا أسره مغبط الحارك محبوك الكفل
والبيت بهذا اللفظ للبيد في ديوانه ص١٨٧، ولسان العرب (حبك)، (حرك)، وتهذيب اللغة ٤/٩٧، وكتاب العين ٤/٣٨٨ وفي رواية أخرى للبيت:
أرب الدهر فأعددت له مشرف الحارك محبوك الكتد
والبيت بهذا اللفظ لأبي دؤاد الإيادي في ديوانه ص ٣٠٤، ولسان العرب (أرب)، (مرج)، حبك)..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير