وانتقلت الآيات الكريمة إلى التهوين من شأن " أصحاب العاجلة " المغرورين المستغرقين في شهواتهم، المنتهكين لحرمات الله، والمتعدين لحدوده، مبينة أنهم مدينون بكل شيء لله الذي خلقهم، والذي أمدهم بكل ما يستعملونه من طاقات وملكات، وأن ما يسيئون التصرف فيه، من نعم الله وعطاياه، إنما هو عارية مستردة، وسيحاسبون عليها حسابا عسيرا، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى : نحن خلقناهم وشددنا أسرهم ، وقوله تعالى في نهاية السياق : والظالمين أعد لهم عذابا أليما٣١ .
وقوله تعالى هنا : وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا٢٨ ، يمكن تفسيره بمعنى أن الله تعالى قادر على أن يبعثهم يوم القيامة ويعيد خلقهم من جديد، من باب الاستدلال بالنشأة الأولى على النشأة الآخرة، ويمكن تفسيره بمعنى أن الله تعالى إذا شاء أبادهم من الدنيا عقابا لهم، وأتى بغيرهم من الناس، على حد قوله تعالى في آية ثانية : إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين ( النساء : ١٣٣ )، وقوله تعالى في آية ثالثة :{ إن يشأ يذهبهم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز{ ( فاطر : ١٦، ١٧ ).
وعادت الآيات الكريمة مرة أخرى إلى الحديث عن " كتاب الله " والتنويه بما جاء به من الهداية والنور للإنسانية جمعاء مع الإشارة إلى أن في طليعة أهدافه تذكير الناسين، وتنبيه الغافلين، إلى ما عليهم من حقوق الله وحقوق لمخلوقاته يلزمهم القيام بها، وصرف الوجهة إليها، وذلك قوله تعالى هنا، ونفس هذا النص سبق نظيره في سورة ( المزمل : ١٧ ) : إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا٢٩ ، ولا طريق إلى الله والوصول إلى معرفته ورضاه، أفضل وأضمن من كتاب الله، روي عن أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه أنه سأل عن المخرج من الفتن فقال : " المخرج منها كتاب الله، فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، فهو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا تمله الأتقياء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، من علم علمه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم ". قال ابن كثير : " وقد وهم بعضهم في رفع هذا الحديث ".
وقوله تعالى هنا : وما تشاءون إلا أن يشاء الله ، يمكن أن يفهم على وجهين :
- الوجه الأول : أن المؤمن ينبغي له أن يربط أعماله وتصرفاته بمشيئة الله، أدبا مع الله من جهة، وتوكلا عليه من جهة أخرى، بحيث لا يعتقد أن إرادته المحدودة هي الكل في الكل، وذلك على حد قوله تعالى : ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ( الكهف : ٢٣ ).
- والوجه الثاني : أن المؤمن ينبغي له أن يلتجئ إلى الله دائما، ويطلب منه الهداية منه والتوفيق فيما يقدم عليه من أعمال وتصرفات، حتى ييسر له أسباب النجاح من جميع الوجوه، وقد سبق في ختام سورة " المدثر " قوله تعالى : وما تذكرون إلا أن يشاء الله ، وهو يشابه تمام المشابهة قوله تعالى هنا : وما تشاءون إلا أن يشاء الله .
ثم عقب كتاب الله على ذلك بقوله تعالى : إن الله كان عليما حكيما٣٠ ، أي : " عليما " بنواياكم في أعمالكم وتصرفاتكم، " حكيما " في تيسير أسبابها والتصديق عليها إن كانت خيرا، أو في تعطيل أسبابها، والتعرض لها، إن كانت شرا، ولله الحجة الدامغة، والحكمة البالغة.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري