المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه أحوال الآخرة وبين عذاب الكفار على سبيل الاختصار وثواب المطيعين على سبيل الاستقصاء، إرشادا لنا إلى أن جانب الرحمة مقدم على جانب العقاب أردف ذلك ذكر أحوال الدنيا، وقدّم أحوال الطيعين، وهم الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته على أحوال المتمردين والمشركين :
وقبل الخوض فيما يتعلق بالرسول من الأمر والنهي أمره بالصبر على ما يناله من أذى قومه إزالة لوحشته، وتقوية لقلبه، حتى يتم فراغ قلبه، ويشتغل بطاعة ربه وهو على أتم ما يكون سرورا ونشاطا.
شرح المفردات : شددنا أسرهم : أي أحكمنا ربط مفاصلهم بالأعصاب والعروق، بدلنا أمثالهم : أي أهلكناهم وبدلنا أمثالهم في شدة الخلق.
ثم نعى عليهم تركهم للعبادة، وغفلتهم عن طاعة بارئهم وموجدهم من العدم فقال :
نحن خلقناهم وشددنا أسرهم أي كيف يغفلون عنا ونحن الذين خلقناهم، وأحكمنا ربط مفاصلهم بالعروق والأعصاب، أفبعد هذا نتركهم سدى ؟.
ثم توعدهم وهددهم فقال :
وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا أي وإذا شئنا أهلكناهم وأتينا بأشباههم فجعلناهم بدلا منهم.
ونحو الآية قوله : إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا [ النساء : ١٣٣ ] وقوله : إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد ( ١٦ ) وما ذلك على الله بعزيز [ فاطر : ١٦-١٧ ] وقوله : على أن نبدل أمثالكم [ الواقعة : ٦١ ].
وقد جرت سنة الله بأن يزيل ما لا يصلح للرقي من خلقه، فهو يهلك هؤلاء ويبدل أمثالهم فيجعلهم مكانهم، كما هي قاعدة بقاء الصلاح والأصلح، وإهلاك ما لا يصلح للبقاء.
تفسير المراغي
المراغي