ﮄﮅﮆﮇﮈ

قوله : وَأَنزَلْنَا مِنَ المعصرات . يجوز في «من » أن تكون على بابها من ابتداءِ الغاية، وأن تكون للسببية، وتدل على قراءة عبد الله١ بن زيد وعكرمة وقتادة :«بالمعصرات » بالباء بدل «من »، وهذا على الخلاف في «المعصرات » ما المراد بها، فعن ابن عباس : أنها السَّحاب، وهو قول سفيان والربيع وأبي العالية والضحاك، أي : السحاب التي تنعصر بالماء، ولم تمطر بعد كالمرأة المُعْصِر التي قد دَنَا حيْضُهَا ولمْ تَحِضْ، يقال : أعْصرتِ السَّحابُ، أي : جاء وقت أن يعصرها الرياح فتمطر، كقولك : أجز الزرع، إذا جاز له أن يجز ؛ وأنشد ابن قتيبة أبي النَّجْم :[ الرجز ]

٥٠٧٠- تَمْشِي الهُوَيْنَى مَائِلاً خِمارُهَا قَدْ أعْصَرتْ وقَدْ دَنَا إعْصَارُهَا٢
ولولا تأويل «أعْصرَتْ » بذلك لكان ينبغي أن تكون «المُعصَرات » - بفتح الصَّاد- اسم مفعول ؛ لأن الرياح تعصرها.
وقال الزمخشري : وقرأ عكرمة :«بالمعصرات ».
وفيه وجهان :
أحدهما : أن تراد الرياح التي حان لها أن تعصر السحاب، وأن تراد السحائب ؛ لأنه إذا كان الإنزال منها، فهو بها كما تقول : أعطى من يده درهماً، وأعطى بيده.
وعن ابن عباس ومجاهد :«المعصرات » الرياح ذوات الأعاصيرِ كأنها تعصر السحاب.
وعن الحسن وقتادة : هي السماوات وتأويله : أن الماء ينزل من السماء إلى السَّحاب، وكأنَّ السماوات يعصرن، أي : يحملن على العصر، ويمكن منه.
فإن قلت : فما وجه من قرأ «من المعصراتِ » وفسرها بالرياح ذوات الأعاصير، والمطرُ لا ينزل الرياح ؟.
قلت : الرياح هي التي تُنشِئُ السَّحاب، وتدرُّ أخلافه، فصحَّ أن تجعل مبدأ للإنزال، وقد جاء : إنَّ الله تبارك وتعالى يَبعثُ الرِّياح فَتَحْمِلُ المَاءَ من السَّماءِ إلى السَّحابِ.
فإن صحَّ ذلك فالإنزال منها ظاهر.
فإن قلت : ذكر ابن كيسان أنه جعل «المعصرات » بمعنى المُغيثَات، والعاصر المغيث لا المعصر، يقال : عصره فاعتصر.
قلت : وجهه أن يريد اللاتي أعصرت، أي : حان لها أن تعصر، أي : تغيث.
يعني أن «عصر » بمعنى الإغاثة : ثلاثي، فكيف قال هنا :«معصرات » بهذا المعنى وهو من الرباعي ؟.
فأجابه عنه بما تقدم : يعني : أن الهمزة بمعنى الدخول في الشيء.
قال القرطبي٣ :«ويجوز أن تكون الأقوال واحدة، ويكون المعنى : وأنزلنا من ذوات الرياح المعصرات مَآءً ثَجَّاجاً ، وأصح الأقوال أن المعصرات : السحاب، كذا المعروف أن الغيث منها، ولو كان «بالمعصرات » لكان الريح أولى ».
وفي «الصِّحاح »٤ : والمعصرات : السحائب تعصر بالمطر، وأعصر القوم أي : مطروا، ومنه قراءة بعضهم : وفيه تُعْصَرُون [ يوسف : ٤٩ ]، والمعصر : الجارية التي قربتْ سنَّ البلوغ، والمعصر : السحابة التي حان لها أن تمطر، فقد أعصرت، ومنه «العَصَرُ » - بالتحريك - للملجأ الذي يلجأ إليه، والعصرُ - بالضم - أيضاً : الملجأ، وأنشد أبو زيد :[ الخفيف ]
٥٠٧١- صَادِياً يَسْتَغيثُ غَيْرَ مُغاثٍ ولقَدْ كَانَ عُصْرَةَ المَنْجُودِ٥
قوله : مَآءً ثَجَّاجاً : الثَّجُّ : الانصبابُ بكثرةٍ وبشدةٍ.
وفي الحديث :«أحَبُّ العملِ إلى اللهِ العَجُّ والثَّجُّ »٦.
فالعَجُّ : رفع الصوت بالتلبية.
والثَّجُّ : إراقة دماءِ حجج الهدي، يقال : ثجَّ الماء بنفسه، أي : انصبَّ، وثَجَجْتُه أنا : أي : صَبَبْتُه ثجَّا وثُجُوجاً، فيكون لازماً ومتعدياً ؛ وقال الشاعر :[ الطويل ]
٥٠٧٢- إذَا رَجَفَتْ فِيهَا رَحا مُرْجَحِنَّةٌ تَبَعَّقَ ثَجَّاجاً غَزِيرَ الحَوافِلِ٧
وقرأ الأعمش٨ :«ثَجَّاحاً » - بالحاء المهملة - أخيراً.
قال الزمخشري :«ومثاجح الماء : مصابُّه، والماء يثجح في الوادي ».
وكان ابن عبَّاس مثجًّا، يعني يثج الكلام ثجًّا في خُطبته.
١ ينظر: الكشاف ٤/٦٨٦، والمحرر الوجيز ٥/٤٢٤، والبحر المحيط ٨/٤٠٤..
٢ يروى: "ساقطا خمارها" مكان "مائلا خمارها".
وقد نسب البيت إلى منظور بن مرثد الأسدي. ينظر ديوان الحماسة للمرزوقي ٣/١٧٢، وسمط اللآلىء ٢/٦٨٤، واللسان (عصر)، والدر المصون ٦/٤٦٢، والقرطبي ١٩/١١٣..

٣ ينظر: الجامع لأحكام القرآن ١٩/١١٣..
٤ ينظر: الصحاح ٢/٧٥٠..
٥ تقدم..
٦ تقدم..
٧ ينظر اللسان (وجف)، (رجحن)، و(وحول)، والبحر ٨/٤٠٢، والدر المصون ٦/٤٦٣..
٨ وقرأ بها الأعرج ينظر: البحر المحيط ٨/٤٠٤، والكشاف ٤/٦٧٦، والدر المصون ٦/٤٦٣..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية