[جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ] " (١).
قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢)
قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ خَائِفَةٌ قَلِقَةٌ مُضْطَرِبَةٌ، وَسُمِّيَ "الْوَجِيفُ" فِي السَّيْرِ، لِشِدَّةِ اضْطِرَابِهِ، يُقَالُ: وَجَفَ الْقَلْبُ وَوَجَبَ وُجُوفًا وَوَجِيفًا وَوُجُوبًا وَوَجِيبًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَجِلَةٌ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: زَائِلَةٌ عَنْ أَمَاكِنِهَا، نَظِيرُهُ "إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ" (غَافِرٍ-١٨). أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ ذَلِيلَةٌ، كَقَوْلِهِ: "خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ" (الشُّورَى-٤٥) الْآيَةَ. يَقُولُونَ يَعْنِي الْمُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ إِذَا قِيلَ لَهُمْ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ: أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ أَيْ: إِلَى أَوَّلِ الْحَالِ وَابْتِدَاءِ الْأَمْرِ، فَنُصَيَّرُ أَحْيَاءً بَعْدَ الْمَوْتِ كَمَا كُنَّا؟ تَقُولُ الْعَرَبُ: رَجَعَ فَلَانٌ فِي حَافِرَتِهِ، أَيْ رَجَعَ مِنْ حَيْثُ جَاءَ، وَالْحَافِرَةُ عِنْدَهُمُ اسْمٌ لِابْتِدَاءِ الشَّيْءِ، [وَأَوَّلُ الشَّيْءِ] (٢).
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: "الْحَافِرَةُ" وَجْهُ الْأَرْضِ الَّتِي تُحْفَرُ فِيهَا قُبُورُهُمْ، سُمِّيَتْ حَافِرَةٌ بِمَعْنَى الْمَحْفُورَةِ، كَقَوْلِهِ: "عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ" أَيْ مَرَضِيَّةٍ.
وَقِيلَ: سُمِّيَتْ حَافِرَةٌ لِأَنَّهَا مُسْتَقَرُّ [الْحَوَافِرِ] (٣) أَيْ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ إِلَى الْأَرْضِ فَنُبْعَثُ خَلْقًا جَدِيدًا نَمْشِي عَلَيْهَا؟ وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: "الْحَافِرَةُ" النَّارُ. أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً قَرَأَ نَافِعٌ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَالْكِسَائِيُّ، وَيَعْقُوبُ: "أَئِنَّا"؟ مُسْتَفْهِمًا، "إِذَا" بِتَرْكِهِ، ضِدُّهُ أَبُو جَعْفَرٍ، [الْبَاقُونَ] بِاسْتِفْهَامِهِمَا، وَقَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَأَبُو عَمْرٍو: "عِظَامًا نَاخِرَةً"، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ "نَخِرَةً" وَهُمَا لُغَتَانِ، مِثْلُ الطَّمِعِ وَالطَّامِعِ وَالْحَذِرِ وَالْحَاذِرِ، وَمَعْنَاهُمَا الْبَالِيَةُ، وَفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَهُمَا، فَقَالُوا: النَّخِرَةُ: الْبَالِيَةُ، وَالنَّاخِرَةُ: الْمُجَوَّفَةُ الَّتِي تَمُرُّ فِيهَا الرِّيحُ فَتَنْخُرُ، أَيْ: تُصَوِّتُ. قَالُوا يَعْنِي الْمُنْكِرِينَ تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ رَجْعَةٌ خَائِبَةٌ، يَعْنِي إِنْ رُدِدْنَا بَعْدَ الْمَوْتِ
(٢) ساقط من"ب".
(٣) في "ب" الحافر.
سَبْعَ سَمَاوَاتٍ، ثُمَّ دَحَا الْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: وَالْأَرْضَ مَعَ ذَلِكَ دَحَاهَا، كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: "عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ" (الْقَلَمِ-١٣) أَيْ مَعَ ذَلِكَ.
أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣) فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيْانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤)
أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى يَعْنِي النَّفْخَةَ الثَّانِيَةَ الَّتِي فِيهَا الْبَعْثُ وَقَامَتِ الْقِيَامَةُ، وَسُمِّيَتِ الْقِيَامَةُ: "طَامَّةً" لِأَنَّهَا تَطُمُّ عَلَى كُلِّ هَائِلَةٍ مِنَ الْأُمُورِ، فَتَعْلُو فَوْقَهَا وَتَغْمُرُ مَا سِوَاهَا، وَ"الطَّامَّةُ" عِنْدَ الْعَرَبِ: الدَّاهِيَةُ الَّتِي لَا تُسْتَطَاعُ. يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى مَا عَمِلَ فِي الدُّنْيَا مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ. وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى قَالَ مُقَاتِلٌ يُكْشَفُ عَنْهَا الْغِطَاءُ فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا الْخَلْقُ. فَأَمَّا مَنْ طَغَى فِي كُفْرِهِ. وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ. فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى عَنِ الْمَحَارِمِ الَّتِي تَشْتَهِيهَا، قَالَ مُقَاتِلٌ: هُوَ الرَّجُلُ يَهُمُّ بِالْمَعْصِيَةِ فَيَذْكُرُ مَقَامَهُ لِلْحِسَابِ فَيَتْرُكُهَا. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيْانَ مُرْسَاهَا مَتَى ظُهُورُهَا وَثُبُوتُهَا. فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا لَسْتَ فِي شَيْءٍ مِنْ عِلْمِهَا وَذِكْرِهَا، أَيْ لَا تَعْلَمُهَا. إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا أَيْ مُنْتَهَى عِلْمِهَا عِنْدَ اللَّهِ.
معالم التنزيل
محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي
محمد عبد الله النمر