وما النصر إلا من عند الله [ الأنفال : الآية ١٠ ] لا تظنوا أن النصر من الملائكة وإن نزلت عليكم الآلاف المؤلفة منهم، الذي بيده النصر وبيده كل شيء ويفزع إليه في كل شيء، ويطلب منه كل شيء، وهو خالق الملائكة وخالق الرسل ( جل وعلا ) صلوات الله وسلامه عليهم.
فاستجاب لكم أنى ممدكم استجاب لهم بأنه ممدهم. وقوله : ممدكم أي : جاعلها لكم مددا يمدكم الله ويعينكم بها. وقد أوضح وجه هذا الإمداد وبينه في هذه الآيات في قوله : إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ١٢ بالأنفال : الآية ١٢ ] وهذا معنى قوله : أني ممدكم بألف من الملائكة العرب تقول : أمدنا الإمام بكذا – معناه : جاءنا بزيادة من الجيش مددا. أي : زائدة على الأول. فقوله : بألف من الملائكة مردفين [ الأنفال : الآية ٩ ] قراءة الجمهور : بألف من الملائكة مردفين قال بعض العلماء : كان الإمداد يوم بدر بألف واحدة بدليل آية الأنفال هذه.
وقوله : مردفين معناه : متتابعين يتبع بعضهم بعضا، ذكروا في بعض الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم خفق في العريش خفقة – أصابته نعسة وغفوة خفيفة- فاستيقظ يتبسم وقال لأبي بكر : أبشر جاء نصر الله. فذكر له أنه رأى جبريل نازلا وعلى ثناياه النقع- والنقع : الغبار الذي يكون على الثنيتين من أسنان الرجل فيكون عليها.
قال بعض العلماء : نزل جبريل في خمسمائة من الملائكة على الميمنة وفيهم أبو بكر، ونزل ميكائيل في خمسمائة من الملائكة على المسيرة وفيهم علي. والأظهر أن المدد يوم بدر كان أكثر من ألف كما قدمناه في سورة آل عمران ؛ لأن أصح القولين أن المدد من الملائكة المذكور إلى خمسة في آل عمران أنه في بدر، وأن قول من قال :( إنه وعد به في أحد والصحابة لم يفوا بالشرط ). أن ذلك خلاف الظاهر وخلاف التحقيق ؛ لأن الله قال في سورة آل عمران مشيرا إلى وقعة بدر هذه، التي بسطها وشرحها في الأنفال مشيرا إلى النصر بالملائكة والإمداد بهم : ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون ١٢٣ إذ تقول للمؤمنين [ آل عمران : الآيتان ١٢٣، ١٢٤ ] والتحقيق : إذ تقول لهم يوم بدر لما أمدكم الله بالملائكة - ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلف من الملائكة منزلين بلى إن تبصروا وتتقوا ويأتيكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة الآلف من الملائكة مسومين ١٢٥ [ أل عمران : الآيتان ١٢٤، ١٢٥ ] والقصة هذه المذكورة في آل عمران هي قصة بدر هذه المذكورة في الأنفال والسياق واحد كما ترى ؛ لأنه قال في الأنفال : وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم ١٠ [ الأنفال : الآية ١٠ ] وقال في آل عمران : وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ١٢٦ [ آل عمران : الآية ١٢٦ ] وقال هنا : ويقطع دابر الكافرين [ الأنفال : الآية ٧ ] وقال في آل عمران : ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم [ آل عمران : الآية ١٢٧ ] فالسياق هو السياق.
ولكن هنا سؤال، وهو أن يقال : المدد الذي ذكرتم أنهم إلى خمسة آلاف، وأن ذلك في يوم بدر، فكيف يجمع به مع الاقتصار على ألف واحدة هنا في الأنفال في قوله : فاستجاب لكم أنى ممدكم بألف من الملائكة مردفين [ الأنفال : الآية ٩ ].
أجيب عن هذا : بأنه لا تعارض ؛ لأن آية الأنفال هذه أشارت إلى أن المدد من الملائكة لا يقتصر على الألف ؛ لأن قوله : مردفين على قراءة الجمهور معناه : يتبع بعضهم بعضا، من أردف الرجل الرجل إذا كان وراءه ردفا له، فدل على أنهم وراءهم شيء أردفوا به، ويوضح هذا المعنى قراءة نافع : مردفين بصيغة اسم المفعول، معناه : مردفين بغيرهم، أنهم متبوعون بغيرهم.
وقال بعض العلماء : الوعد بخمسة آلاف كان يوم أحد، ولكن الله شرط عليهم شرطا وقال : بلى إن تصبروا وتتقوا [ آل عمران : الآية ١٢٥ ] قالوا : ولم يصبروا ولم يتقوا ذلك اليوم ؛ لأنهم زلت بهم أقدامهم كما نص الله عليه في قوله : إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا [ آل عمران : الآية ١٥٥ ] قال : ولما لم يثبتوا لم ينزل عليهم ملك واحد ؛ لأنهم لم يفوا بالشرط. هذا قاله جماعة من أهل العلم. والأول أظهر، والستاق واحد. وهذا مبني على قوله : ولقد نصركم الله ببدر فصرح تعالى أن ذلك ببدر والكلام متصل آخره بأوله وأنتم أذلة [ آل عمران : الآية ١٢٣ ] إلى أن قال : إذ تقول في ذلك اليوم الذي نصركم الله فيه وأنتم أذلة ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف [ آل عمران : الآية ١٢٤ ].
والحاصل أنه مختلف في المدد هل هو ألف واحدة أو إلى خمسة آلاف ؟ وأظهر القولين : أن المدد المذكور في آل عمران هو المذكور في الأنفال هذه، وأنه خمسة آلاف، ومما يؤيده : أنه لم يعلم أن الملائكة نزلت للقتال ظاهرا إلا يوم بدر، وغير ذلك تنزل جنودا لم يرها الناس كما جاء في حنين وغيره والأحزاب ؛ لأن الله بين أن الملائكة نزلت في الأحزاب وفي حنين حيث قال في الأحزاب : إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها [ الأحزاب : الآية ٩ ] وقال في قصة حنين : ثم أنزل الله سكينة على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها [ التوبة : الآية ٢٦ ] ولم يقل أحد من العلماء : إن جنود الملائكة التي نزلت في غزوة الأحزاب وفي غزوة حنين أنهم قاتلوا. وإنما اختلفوا في ذلك في [ بدر ]١، فذهب جماعة من أهل العلم وجاءت به آثار : أن الملائكة قاتلوا. وظاهر سياق آية الأنفال هذه تدل على أن الملائكة هم الذين أمروا بالضرب فوق الأعناق وضرب البنان ؛ لأنه قال : إذ يوحي ربك إلى الملائكة فهذا السياق للملائكة أنى معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان [ الأنفال : الآية ١٢ ] فهذا السياق ظاهر في الملائكة، وقد ذكرنا بالأمس روايات عن بعض الصحابة أن بضعهم قال : بينما ان أتبع رجلا إذ سقط ميتا أمامي، وسمعت ضربة سوط فوجدت وجهه مشقوقا مخطوما واخضر محل الضربة كله. وأن رجلا قال : أردت أن أقتل رجلا فسقط رأسه قبل أن أضربه. وأنهم أعلموا النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه قال :( ذلك من مدد السماء ).
والذين قالوا : إن الملائكة لم تقاتل يوم بدر لا حجة قوية معهم ؛ لأنهم إنما استدلوا على ذلك بأن ملكا واحدا يقدر على إبادة جميع الناس، وأن جبريل رفع مدائن قوم لوط على ريشة من جناحه. ولا مانع من أن الله يجعل الملائكة مددا وعونا يقتلون معهم ليكون شرف الهزيمة لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، لأن الملك لو أهلكهم ما كان للصحابة في ذلك من فضل ولا من شرف، ولكن الله أعانهم ليكون النصر بأيديهم، وإهانة الكفار بأيديهم، كما قال تعالى : قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزيهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ١٤ الآية [ التوبة : الآية ١٤ ]، وهذا معنى قوله : فاستجاب لكم أنى ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله الله إلا بشرى [ الأنفال : الآيتان ٩، ١٠ ] هذه الآية مما استدل بها من قال : إن الملائكة لم تقاتل ؛ لأن الضمير في قوله : وما جعله راجع إلى الإمداد بالملائكة الذين يتبع بعضهم بعضا وما جعله الله أي : إمدادكم بالملائكة يقاتلون معكم إلا بشرى أي : إلا بشارة لكم بالنصر، قالوا : فالله ( جل وعلا ) قصره على البشرى، ولم يقل : إن فيه قتالا. وبعضهم يقول : لما قيل لهم : إنهم معكم، يقاتلون معكم، كانت البشرى أعظم ؛ لأنهم يعاونونهم في قتال عدوهم. وهذا معنى قوله : إلا بشرى فالبشرى ( فعلى ) مؤنث بألف التأنيث اللفظية. والبشرى : هي الإخبار بما يسر. وقد قدمنا مرارا أن العرب تسمي الإخبار بما يسر ( بشرى ) و ( بشارة )، وتقول :( بشره وبشره ). إذا خبره بما يسره، كما هو معروف. وقد قدمنا : أن من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن : إطلاق البشرى أيضا على الإخبار بما يسوء، كأن تقول له : بشره بما يسوءه، بشره بويل وعذاب. كما قال تعالى : ويل لكل أفك أثيم ٧ يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليه ٨ [ الجاثية : الآيتان ٧، ٨ ] ومعلوم أن العرب تطلق البشارة في لغتها على الإخبار بما يسر أكثر، وربما أطلقتها على الإخبار بما يسوء. ومن إطلاق البشارة على الإخبار بما يسوء قول الشاعر :
وبشرتني يا سعد أن أحبتي *** جفوني وقالوا : الود موعده الحشر
وقول الآخر :
| يبشرني الغراب ببين أهلي | فقلت له ثكلتك من بشير |
ونحن نقول : إن الذي يظهر أن هذه أساليب عربية، نطقت بها العرب، ونزل بها القرآن. وهذا معنى قوله : وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به [ آل عمران : الآية ١٢٦ ] أي : فعل الله ذلك لكم لأجل أن يبشركم ؛ ولأجل أن تطمئن قلوبكم به. الطمأنينة معناه : السكوت وعدم القلق والانزعاج. ومحل الطمأنينة والانزعاج : القلب ؛ لأنه محل الإدراك ؛ ولذا قال ولتطمئن قلوبكم به لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عددهم قليلا، فلما نزل المدد من السماء وثقوا من النصر، وسكنت قلوبهم، واطمأنت، وزال عنها الخوف والقلق والانزعاج، وهذا معنى قوله : ولتطمئن قلوبكم به ثم إن الله بين أن الخير كله من قبله فكأنه يقول للمسلمين : لا تظنوا – وإن أنزل عليكم ألفا من ملائكة السماء لا تطنوا- أن النصر بيد الملائكة، لا، النصر بيدي وحدي ؛ ولذا قال : وما النصر إلا من عند الله [ الأنفال : الآية ١٠ ] هذا حصر بالنفي والإثبات، وهو أبلغ غايات الحصر. معناها : لا نصر يوجد ألبتة كائنا من كان إلا من عند الله ( جل وعلا ). وأصل النصر في لغة العرب : إعانة المظلوم إلا من عند الله إن الله جل وعلا : عزيز حكيم العزيز في لغة العرب : هو الغالب. والعزة في لغة العرب : الغلبة. ولله العزة ولرسوله [ المنافقون : الآية ٨ ] أي : ولله الغلبة ولرسوله : وعزني في الخطاب [ ص : الآية ٢٣ ] غلبني في الخصام. والعرب تقول :( من عز بز ) يعنون : من غلب استلب. وقد قالت الخنساء في شعرها :
| كأن لم يكونوا حمى يختشي | إذ الناس إذ ذاك من عز بزا |
قوله : إن الله عزيز أي : غالب لا يغلبه شيء ؛ ولذا قهر جند أبي جهل ورؤساء الكفر وقمعهم وقتلهم بعزته حيث كانت العزة له، وأعز عباده المؤمنين، كما قال : ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين [ المنافقون : الآية ٨ ].
وقوله : حكيم الحكيم في الاصطلاح : هو من يضع الأمور في مواضيعها ويوقعها في مواقعها. ولا تتم الحكمة إلا بتمام العلم، فكل نقص في الحكمة إنما يتسبب عن نقص في العلم، فترى الرجل القلب البصير الحاذق يفعل الأمر يظنه في غاية السداد ثم ينكشف الغيب عن أن فيه هلاكه ومضرة عظيمة عليه، فيندم وقد فات الأوان، ويقول : ليتني لم أفعل، لو فعلت لكان كذا ! !
| ليت شعري وأين مني ليت | إن ليتا وإن لوا عناء |
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير