إذ يوحي ربك إلى الملائكة الذين أمد بهم المؤمنين بدل ثالث أو متعلق بيثبت إني معكم في إعانة المؤمنين وثبتهم وهو مفعول يوحي فثبتوا الذين آمنوا بمحاربة أعدائكم وتكثير سوادهم وبشارتهم بالنصر قال : مقاتل كان الملك يمشي أمام الصف في صورة الرجل ويقول أبشروا فإن الله ناصركم سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب هو امتلاء القلب من الخوف يعني الخوف من المؤمنين قرأ ابن عامر والكسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قلت لأبي : يا أبت كيف أسرك أبو اليسر ولو شئت لجعلته في كفك ؟ فقال : يا بني لا تقل ذلك لقيني وهو في عيني أعظم من الخندق، قلت وهذا لإلقاء الله الرعب في قلوبهم فاضربوا فوق الأعناق أي أعاليها التي هي المذابح والرؤوس وقال عكرمة يعني الرؤوس لأنها فوق الأعناق، وقال الضحاك معناه فاضربوا الأعناق وفوق صلة، وقيل : معناه فاضربوا على الأعناق وفوق بمعنى على واضربوا منهم كل بنان قال : عطية يعني كل مفصل، وقال ابن عباس وابن جريح والضحاك يعني الأطراف، والبنان جمع بناية وهي أطراف أصابع اليدين والرجلين في القاموس الأصابع أو أطرافها، والخطاب للملائكة لا تعلم كيف يقتل الآدميون فعلمهم الله تعالى
روى الإمام البخاري والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : وهو في قبة يوم بدر :( اللهم إني انشد عهدك ووعدك اللهم ان تشأ لا تعبد بعد اليوم ) فاخذ أبو بكر بيده فقال : حسبك يا رسول الله لقد ألحقت على ربك، فخرج وهو يثبت في الدرع وهو يقول : سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر، وانزل الله تعالى إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ٩ أي متتابعين يتبع بعضهم بعضا وانزل الله تعالى : ألن يكفيكم ان يمدكم ربكم بثلاثة ألف من الملائكة منزلين فأوحى الله تعالى إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين امنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم بنان )(١)وروى مسلم وابن مردويه عن ابن عباس قال ( بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في اثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوق وسمع صوت الفارس يقول : أقدم حيزموم إذ نظر إلى المشرك أمامه مستلقيا فنظر أليه فإذا هو قد حطم انفه وشق وجهه كضربة السوط فاحضر ذلك الموضع اجمع، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة ) (٢).
وروى الحاكم وصححه البيهقي وأبو نعيم عن سهل بن حنيف قال : لقد رايتنا يوم بدر ان احدنا يشير بسيفه إلى رأس المشرك فيقع رأسه قبل ان يصل إليه، وروى البيهقي عن الربيع بن انس قال : كان الناس يعرفون قتل من قتلوه بضرب فوق الأعناق وعلى البنان مثل سمة النار قد احترق، وروى ابن سعد عن حويطب بن عبد العزى قال : شهدت بدرا مع المشركين فرايت الملائكة تقتل وتاسر بين السماء والأرض، وروى محمد بن عمر الأسلمي والبيهقي عن أبي بردة ينار رضي الله عنه قال : جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاثة رؤوس فقلت يا رسول الله أما رأسان فقتلتهما وأما الثالث فاني رأيت رجلا ابيض طويلا ضربه فأخذت رأسه فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك فلان من الملائكة، روى ابن سعد عن عكرمة قال : كان يومئذ يندر رأس الرجل لا يدري من ضربه وتندر يدر رجل لا يدري من ضربه به، وروى ابن اسحاق والبيهقي عن ابي واقد الليثي قال : اني لاتبع يوم بدر رجلا من المشركين لاضربه فوقع رأسه قبل ان يصل إليه سيفي فعرفت ان غيري قتله، وروى البهقي عن خارجة بن ابراهيم قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبرئيل من القائل يوم بدر من الملائكة اقدم حيزوم فقال : جبرئيل : ما كل أهل السماء اعرف.
وروى ابن اسحاق عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت وأسلمت أم الفضل وأسلمت، وكان العباس يهاب قومه ويكره خلافهم وكان يكتم إسلامه وكان ذا مال كثير متفرق في قومه وكان أبو لهب عدو الله قد تخلف عن بدر وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة فلما جاءه الخبر عن مصاب اصحابه بدركبه الله واخزاه فوجدنا في أنفسنا قوة وعزة وكنت رجلا ضعيفا وكنت اعمل القداح وانحتها في حجرة زمزم فوالله إني لجالس انحت القداح وعندي أم الفضل جالسة، إذ اقبل الفاسق أبو لهب يجر رجليه حتى جلس على طنب الحجرة وكان ظهره إلى ظهري، فبينا هو جالس اذ قال : الناس ؟ هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم، فقال : أبو لهب إلى ابن أخي فعندك الخبر فجلس إليه والناس قيام عليه فقال : اخبرني ابن أخي كيف كان أمر الناس فقال : لا شيء والله ان كان إلا ان لقيناهم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا و يأسروننا كيف شاؤوا وايم الله مع ذلك قاتلت الناس لقينا رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء و الأرض لا والله ما تليق شيئا ولا يقوم لها شيء، قال : أبو رافع فرفعت طنب الحجرة بيدي ثم قلت تلك والله الملائكة، قال : فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة فثاورته فاحتملني فضرب بي الأرض ثم برك علي يضربني وكنت رجلا ضعيفا، فقامت أم الفضل إلى عمود من الحجرة فأخذته فضربته ضربة فلقت في رأسه شجة منكرة وقالت : استضعفته ان غاب عنه سيده فقام موليا ذليلا في الله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله عز وجل بالعدسة فقتله، قال : ابن جرير والعدسة قرحة كانت العرب يتشاءم بها ويرون أنها تعدو اشد العدو، فلما أصابت أبا لهب تباعد عنه بنوه بعد موته ثلاث ولا تقرب جثته ولا يحاول دفنه، فلما خافوا السبة في تركه حفروا له ثم وضعوه بعصا في حفرته وقذفوه بالحجارة من بعيد حتى واروه، قال : ابن اسحاق في رواية يونس بن بكير أنهم لم يحفروا له ولكنه أسندوه إلى حائط وقذفوه عليه الحجارة من خلف الحائط حتى واروه.
٢ أخرجه مسلم في كتاب: الجهاد والسير، باب: الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم (١٧٦٣).
التفسير المظهري
المظهري