ﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠ

يقول الله جل وعلا : إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ١٢ [ الأنفال : الآية ١٢ ].
قال بعض العلماء : قوله :( إذ ) بدل من ( إذ ) قبله. قالوا : قوله : إذ يغشيكم النعاس [ الأنفال : الآية ١١ ] بدل من قوله : وإذ يعدكم الله [ الأنفال : الآية ٧ ] وقوله : إذ يوحي بدل من قوله : يغشيكم النعاس . وقال بعض العلماء : العامل في ( إذ ) إذ يوحي هو العامل في ( إذ ) المتكررة قبلها. وقال بعض العلماء : العامل فيه : وليربط على قلوبكم [ الأنفال : الآية ١١ ] حين يوحي إلى الملائكة. وقال بعضهم : منصوب بقوله : ويثبت به [ الأنفال : الآية ١١ ] أي : يثبتهم حين أوحي إلى الملائكة أن ثبتوا الذين آمنوا.
إذ يوحي ربك إلى الملائكة [ الأنفال : الآية ١٢ ] يمكن أن يكون إليها، وأن يكون وحي إعلام، كل ذلك جائز للملائكة ( صلوات الله وسلامه عليه ). يوحي إليهم الله : أني معكم معية نصر وإعانة فثبتوا الذين آمنوا يعني النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يوم بدر. وتثبيت الملائكة لهم كان من جهات متعددة : منها : أن الملائكة يلقون في قلوبهم الأمن والطمأنينة، كما يلقي الله الرعب في قلوب الكفرة. ومنها : أنهم يثبتونهم بالقتال معهم وإعانتهم ؛ لأنهم بذلك يوقنون بالنصر فتقوى قلوبهم وتثبت أقدامهم. وقال بعض العلماء : كانوا يثبتونهم بغير ذلك، كان الملك يتمثل للناس بصفة رجل يعرفونه ويمشي بين الصفوف ويقول : ابشروا فإن الله ناصركم عليهم ومظهركم عليهم، وكان الملك يتمثل في صورة الرجل يعرفونه – كما قال به بعض العلماء- ثم يقول للمسلمين : أبشروا فإني سمعتهم يخافون منكم ويقولون : إنكم إن حملتم عليهم انكشفوا هاربين عنكم. لتقوى قلوب المؤمنين وتثبت، ويستحقرون الكفرة. هذا معنى قوله : فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب كان بعض من شهد بدرا كافرا أسلم بعد ذلك، وكان الناس يسألونه ويقولون له : صف لنا الرعب الذي ألقى الله في قلوبكم يوم بدر. فيأخذ ويضربها على طشت من الحديد فيسمع لها دوي عظيم، فيقول : كنا نسمع مثل هذا في أجوافنا من شدة الخوف ؛ وهذا معنى قوله : سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب .
قرأ هذا الحرف من السبعة : نافع، وابن كثير، وعاصم، وحمزة، - كل هؤلاء الأربعة- من السبعة قرؤوا : سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب بإسكان العين من قوله : الرعب وقرأه ابن عامر، وحمزة(١)، والكسائي : سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب بضمتين. فالذي قرأ :( الرعب ) بضم العين : هو ابن عامر، وحمزة، والكسائي. والذي قرأ ( الرعب ) بسكون العين : نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، هؤلاء الأربعة قرؤوا :( الرعب ) بسكون العين، وأولئك الثلاثة قرؤوا :( الرعب ) بضمتين. وهما لغتان فصيحتان وقراءتان صحيحتان.
والرعب شدة الخوف في قلوب الذين كفروا ؛ لأن القلب هو محل الإدراك، وهو الذي يكون فيه الأمن ويكون فيه الخوف. وهذا معنى قوله : سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب .
وقوله : فاضربوا فوق الأعناق المأمور بالضرب في قوله : فاضربوا أصله فيه وجهان معروفان :
أحدهما : أن المأمور به الملائكة، قال بعض العلماء : ما كان الملائكة يعرفون مقاتل الضرب حتى علمهم الله ذلك يوم بدر فقال : فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان وكون هذا الخطاب للملائكة ( صلوات الله وسلامه عليهم ) هو أظهر القولين ؛ لأن ظاهر السياق يقتضيه ؛ لأن هذا في الظاهر من جملة ما أوحي على الملائكة.
والقول الثاني : أن المأمور بقوله : فاضربوا فوق الأعناق المسلمون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.
وقوله : فوق الأعناق المراد بالفوقية هنا فيه أوجه معروفة للعلماء لا يكذب بعضها بعضا : أما الذين قالوا : إن لفظة ( فوق ) زائدة، وأن المراد : فاضربوا الأعناق، واستدلوا بقوله : فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب [ محمد : الآية ٤ ] فهذا القول لا يجوز أن يقال به في القرآن ؛ لأن لفظا جاء في القرآن لا ينبغي لأحد أن يحكم عليه بأنه زائد لا معنى له.
وقال بعض العلماء :( فوق ) هنا معنى ( على ) العرب تقول :( ضربه على عنقه، وضربته فوق عنقه ) وعلى هذا القول فمفعول الضرب محذوف، أي : فاضربوهم فوق الأعناق، أي : فاضربوهم على الرقاب، وهذا قول ليس ببعيد.
وقال بعض العلماء : المراد بما فوق الأعناق : الرؤوس ؛ لأن الرأس فوق العنق، قال : معناه فاضربوا رؤوسهم، والعرب معلوم أنها في الحرب تبادر لضرب الرؤوس، ويمدحون الرجال بضرب الرؤوس وفلق الهام، وهو معنى مشهور، كثير في كلام العرب وفي أشعارها، قال الشاعر :
غشيته وهو في جأواء باسلة *** عضبا أصاب سواء الرأس فانفلقا
يفتخر بضرب الهام. ومنه قول عمرو بن الإطنابة :
أبت لي همتي وأبى إبائي *** وأخذي المجد بالثمن الربيح
وإقدامي على المركوه نفسي *** وضربي هامة البطل المشيح
والآخر قال :
نفلق هاما من رجال أعزة *** علينا وهم كانوا أعق وأظلما
وضرب الهام مشهور في كلام العرب وفخرها وأشعارها، ومن مدح الرجل للفارس : هذا يضرب القوانيس، وهذا يضرب القونس. والقوانس : جمع القونس، والقونس : هو مقدم البيضة من الحديد على رأس الفارس. وقال بعض العلماء : القونس على البيضة، وضرب القونس : كناية عن ضرب الهام، وهي فوق الرقاب. ومن هذا المعنى قول امرئ القيس بن عابس الكندي :
كلاهما كان رئيسا بيئسا *** يضرب في يوم الهياج القونسا
ومنه شعر العباس بن مرداس –المشهور- السلمي :
فلم أر مثل الحي حيا مصبحا *** ولا مثلنا يوم التقينا فوارسا
أكر وأحمى للحقيقة منهم *** وأضرب منا بالسيوف القوانسا
هذا قال به بعض العلماء، أن المراد بما فوق الأعناق : الرؤوس ؛ لأن الرأس فوق العنق، أي : فاضربوا رؤوسهم وفلقوا هامهم. وأظهر الأقوال وأقربها للصواب ما قاله بعض العلماء : أن الله علم الملائكة أو أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حز الرؤوس، وبين لهم مفصل الرأس الذي يطير الرأس عن الجثة، وأنه فوق الأعناق ؛ لأن الرقبة المحل الذي تركب منه في الرأس هو مفصل للحز إذا ضرب الإنسان طار الرأس بسرعة، وكان ذلك أهون إبانة الرأس ؛ ولذا كانت العرب تفتخر بضرب القماحد، والقماحد جمع قمحدة وهو العظم الذي خلف الأذن ؛ لأنه تحت عظم الرأس وفوق عظم الرقبة، وذلك وهو مفصل الرقبة وموضع حزها الذي يسهل به إطارة الرأس وإبانته على الجثة كما هو معروف، ومن هذا المعنى قول الشاعر يمدح خالد بن الوليد رضي الله عنه :
رأيت رجالا من قريش كثيرة *** ولم أر في القوم القيام كخالد
كساك الوليد بن المغيرة مجده *** وعلمك الشيخان ضرب القماحد
والقماحد جمع القمحدة، وهي العظم الذي خلف الأذن ؛ لأنه نازل عن عظم الرأس، مرتفع عن عظم الرقبة، محله من جوانب الرقبة محل المذبح، تسهل منه إبانة الرأس وإطارته عن الجثة، وهذا معنى قوله : فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان [ الأنفال : الآية ١٢ ].
قال بعض العلماء : واحد البنان بنانة. والتحقيق أن البنان أطراف الأصابع، كما هو معناه المشهور في كلام العرب، والعرب يعرفون ضرب البنان ؛ لأن الرجل إذا ضرب أطراف يده – أصابعه- بالسيف لا يقدر أن يحمل سيفا ولا رمحا، فبقي لا بأس فيه ولا نكاية عنده، من جاءه قدر على قتله. فالضرب الذي أعلموه على نوعين : إصابة المقاتل، وإصابة الشوى، وهي الأطراف التي تمنع صاحبها من أن يفعل شيئا، وكانت العرب تعرف هذا، ومنه قول عنترة بن شداد :
وكان فتى الهيجاء يحمي ذمارها *** ويضرب عند الكر بكل بنان
والعرب تسمي أطراف الأصابع : بنانا، ومنه قول عنترة أيضا :
وإن الموت طوع يدي إذا ما *** وصلت بنانها بالهندواني
وما زعمه بعض علماء العربية من أن المراد بالبنان هنا يصدق بجميع المفاصل وبالوجه والعينين، وهو خلاف التحقيق المعروف من اللغة ؛ لأن المعروف في اللغة : أن البنان أطراف الأصابع، بعضهم يقول : أطراف أصابع اليد. وبعضهم يقول : تدخل فيه أطراف أصابع الرجل، والإطلاق المشهور : إطلاق البنان على أطراف أصابع اليد. والعرب تقول :( بنان مطرف، ومطرفة ) إذا خضبت المرأة أطراف أصابعها بالحناء، وهذا هو المعنى المشهور المتعارف في كلام العرب، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي :
بدا لي منها معصم يوم جمرت *** وكف خضيب زينب ببنان
فوالله ما أدري وإني لحاسب *** بسبع رميت الجمر أم بثمان
فقوله :( كف خضيب زينت ببنان ) أي : بأصابع. والبنان مؤنثة، وربما ذكرتها العرب نادرا، ومن تذكيرها النادر قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي أيضا :
وأرسلت فجاءني *** بنانها المطرف
ولم يقل : المطرفة، هو الذي خضب أعاليه بالحناء، وهذا معنى قوله : فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل ببنان [ الأنفال : الآية ١٢ ].

١ ذكر حمزة هنا وهم، وإنما قراءته بإسكان العين كما ذكر الشيخ قبل ذلك.

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير