مِنْ قَوْلِهِ: وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى هُوَ أَنَّهُ تَعَالَى رَمَى قُلُوبَهُمْ بِذَلِكَ الرُّعْبِ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ كُلَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ عُدُولٌ عَنِ الظَّاهِرِ، وَالْأَصْلُ فِي الْكَلَامِ الْحَقِيقَةُ.
فَإِنْ قَالُوا: الدَّلَائِلُ الْعَقْلِيَّةُ تَمْنَعُ مِنَ الْقَوْلِ بِأَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ مَخْلُوقٌ للَّه تَعَالَى. فَنَقُولُ: هَيْهَاتَ فَإِنَّ الدَّلَائِلَ الْعَقْلِيَّةَ فِي جَانِبِنَا وَالْبَرَاهِينَ النَّقْلِيَّةَ قَائِمَةٌ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِنَا، فَلَا يُمْكِنُكُمْ أَنْ تَعْدِلُوا عَنِ الظَّاهِرِ إِلَى الْمَجَازِ. واللَّه أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ:
| قُرِئَ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ | وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى بِتَخْفِيفِ وَلَكِنْ وَرَفْعِ مَا بَعْدَهُ. |
أَنَّهَا نَزَلَتْ يَوْمَ خَيْبَرَ
رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَخَذَ قَوْسًا وَهُوَ عَلَى بَابِ خَيْبَرَ. فَرَمَى سَهْمًا. فَأَقْبَلَ السَّهْمُ حَتَّى قَتَلَ ابْنَ أَبِي الْحَقِيقِ، وَهُوَ عَلَى فَرَسِهِ، فَنَزَلَتْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي يَوْمِ أُحُدٍ فِي قَتْلِ أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، وَذَلِكَ
أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَظْمٍ رَمِيمٍ وَقَالَ يَا مُحَمَّدُ مَنْ يُحْيِي هَذَا وَهُوَ رَمِيمٌ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُحْيِيهِ اللَّه ثُمَّ يُمِيتُكَ ثُمَّ يُحْيِيكَ ثُمَّ يُدْخِلُكَ النَّارَ فَأُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَمَّا افْتُدِيَ. قَالَ لِرَسُولِ اللَّه إِنَّ عِنْدِي فَرَسًا أَعْتَلِفُهَا كُلَّ يَوْمٍ فَرْقًا مِنْ ذُرَةٍ، كَيْ أَقْتُلَكَ عَلَيْهَا. فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَلْ أَنَا أَقْتُلُكَ إن شاء اللَّه» فلما كان يوم أُحُدٌ أَقْبَلَ أُبَيٌّ يَرْكُضُ عَلَى ذَلِكَ الْفَرَسِ حَتَّى دَنَا مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَاعْتَرَضَ لَهُ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِيَقْتُلُوهُ. فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «اسْتَأْخِرُوا» وَرَمَاهُ بِحَرْبَةٍ فَكَسَرَ ضِلْعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ، فَحُمِلَ فَمَاتَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ
فَفِي ذَلِكَ نَزَلَتِ الْآيَةُ وَالْأَصَحُّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي يَوْمِ بَدْرٍ، وَإِلَّا لَدَخَلَ فِي أَثْنَاءِ الْقِصَّةِ كَلَامٌ أَجْنَبِيٌّ عَنْهَا، وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ بَلْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَدْخُلَ تَحْتَهُ سَائِرُ الْوَقَائِعِ، لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً فَهَذَا مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى / وَالْمُرَادُ مِنْ هَذَا الْبَلَاءِ الْإِنْعَامُ، أَيْ يُنْعِمُ عَلَيْهِمْ نِعْمَةً عَظِيمَةً بِالنُّصْرَةِ وَالْغَنِيمَةِ وَالْأَجْرِ وَالثَّوَابِ، قَالَ الْقَاضِي: وَلَوْلَا أَنَّ المفسرين اتفقوا على حمل الابتلاء هاهنا عَلَى النِّعْمَةِ، وَإِلَّا لَكَانَ يَحْتَمِلُ الْمِحْنَةَ بِالتَّكْلِيفِ فِيمَا بَعْدَهُ مِنَ الْجِهَادِ، حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ الَّذِي فَعَلَهُ تَعَالَى يَوْمَ بَدْرٍ، كَانَ السَّبَبَ فِي حُصُولِ تَكْلِيفٍ شَاقٍّ عَلَيْهِمْ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْغَزَوَاتِ.
ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى خَتَمَ هَذَا بِقَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أَيْ سَمِيعٌ لِكَلَامِكُمْ عَلِيمٌ بِأَحْوَالِ قُلُوبِكُمْ، وَهَذَا يَجْرِي مَجْرَى التَّحْذِيرِ وَالتَّرْهِيبِ، لِئَلَّا يَغْتَرَّ الْعَبْدُ بِظَوَاهِرِ الْأُمُورِ، وَيَعْلَمَ أَنَّ الْخَالِقَ تَعَالَى مُطَّلِعٌ عَلَى كل ما في الضمائر والقلوب.
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ١٨ الى ١٩]
ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (١٨) إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)
[في قَوْلُهُ تَعَالَى ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ] فِي الْآيَةِ مَسَائِلُ: صفحة رقم 467
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو مُوَهِّنُ بِتَشْدِيدِ الْهَاءِ مِنَ التَّوْهِينِ كَيْدِ بِالنَّصْبِ، وَقَرَأَ حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ مُوهِنُ كَيْدِ بِالْإِضَافَةِ، وَالْبَاقُونَ مُوهِنُ بِالتَّخْفِيفِ كَيْدِ بِالنَّصْبِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ:
كاشِفاتُ ضُرِّهِ [الزُّمَرِ: ٣٨] بِالتَّنْوِينِ وَبِالْإِضَافَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ وَمَحَلُّهُ مِنَ الْإِعْرَابِ كما في قوله: ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ [الأنفال: ١٤].
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: تَوْهِينُ اللَّه تَعَالَى كَيْدَهَمْ يَكُونُ بِأَشْيَاءَ بِإِطْلَاعِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ، وَإِلْقَاءِ الرُّعْبِ فِي قُلُوبِهِمْ، وَتَفْرِيقِ كَلِمَتِهِمْ، وَنَقْضِ مَا أَبْرَمُوا بِسَبَبِ اخْتِلَافِ عَزَائِمِهِمْ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُنْبِئُ رَسُولَ اللَّه وَيَقُولُ:
إِنِّي قَدْ أَوْهَنْتُ كَيْدَ عَدُوِّكَ حَتَّى قَتَلْتَ خِيَارَهُمْ وَأَسَرْتَ أَشْرَافَهُمْ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ فيه قَوْلَانِ:
الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَالسُّدِّيِّ أَنَّهُ خِطَابٌ لِلْكُفَّارِ، رُوِيَ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ: اللَّهُمَّ انْصُرْ أَفْضَلَ الدِّينَيْنِ وَأَحَقَّهُ بِالنَّصْرِ، وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: اللَّهُمَّ أَيُّنَا كَانَ أَقْطَعَ/ لِلرَّحِمِ وَأَفْجَرَ، فَأَهْلِكْهُ الْغَدَاةَ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: إِنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمَّا أَرَادُوا الْخُرُوجَ إِلَى بَدْرٍ أَخَذُوا أَسْتَارَ الْكَعْبَةِ وَقَالُوا اللَّهُمَّ انْصُرْ أَعْلَى الْجُنْدَيْنِ وَأَهْدَى الْفِئَتَيْنِ وَأَكْرَمَ الْحِزْبَيْنِ وَأَفْضَلَ الدِّينَيْنِ، فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَةَ، وَالْمَعْنَى: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا أَيْ تَسْتَنْصِرُوا لِأَهْدَى الْفِئَتَيْنِ وَأَكْرَمِ الْحِزْبَيْنِ، فَقَدْ جَاءَكُمُ النَّصْرُ. وَقَالَ آخَرُونَ: إِنْ تَسْتَقْضُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْقَضَاءُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ خِطَابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ،
رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا رَأَى الْمُشْرِكِينَ وَكَثْرَةَ عَدَدِهِمُ اسْتَغَاثَ باللَّه، وَكَذَلِكَ الصَّحَابَةُ وَطَلَبَ مَا وَعَدَهُ اللَّه بِهِ مِنْ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ وَتَضَرَّعَ إِلَى اللَّه فَقَالَ: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ
وَالْمُرَادُ أَنَّهُ طَلَبَ النُّصْرَةَ الَّتِي تَقَدَّمَ بِهَا الْوَعْدُ، فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ، أَيْ حَصَلَ مَا وُعِدْتُمْ بِهِ فَاشْكُرُوا اللَّه وَالْزَمُوا طَاعَتَهُ. قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى لِأَنَّ قَوْلَهُ: فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ لَا يَلِيقُ إِلَّا بِالْمُؤْمِنِينَ، أَمَّا لَوْ حَمَلْنَا الْفَتْحَ على البيات وَالْحُكْمِ وَالْقَضَاءِ، لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْكُفَّارُ.
أَمَّا قَوْلُهُ: وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ فَتَفْسِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ، يَتَفَرَّعُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ خِطَابٌ لِلْكُفَّارِ أَوْ لِلْمُؤْمِنِينَ.
فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ ذَلِكَ خِطَابٌ لِلْكُفَّارِ، كَانَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ إِنْ تَنْتَهُوا عَنْ قِتَالِ الرَّسُولِ وَعَدَاوَتِهِ وَتَكْذِيبِهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، أَمَّا فِي الدِّينِ فَبِالْخَلَاصِ مِنَ الْعِقَابِ وَالْفَوْزِ بِالثَّوَابِ. وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَبِالْخَلَاصِ مِنَ الْقَتْلِ وَالْأَسْرِ وَالنَّهْبِ.
ثم قال: وَإِنْ تَعُودُوا أي إلى القتال نَعُدْ أَيْ نُسَلِّطْهُمْ عَلَيْكُمْ، فَقَدْ شَاهَدْتُمْ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ وَعَرَفْتُمْ تَأْثِيرَ نُصْرَةِ اللَّه لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْكُمْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ أَيْ كَثْرَةُ الْجُمُوعِ كَمَا لَمْ يُغْنِ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ. وَأَمَّا إِنْ قُلْنَا إِنَّ ذَلِكَ خِطَابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ كَانَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ وَإِنْ تَنْتَهُوا عَنِ الْمُنَازَعَةِ فِي أَمْرِ الْأَنْفَالِ وَتَنْتَهُوا عَنْ طَلَبِ الْفِدَاءِ عَلَى الْأَسْرَى فَقَدْ كَانَ وَقَعَ مِنْهُمْ نِزَاعٌ يَوْمَ بَدْرٍ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ حَتَّى عَاتَبَهُمُ اللَّه بِقَوْلِهِ: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ [الأنفال: ٦٨] فقال تعالى: إِنْ تَنْتَهُوا عَنْ مِثْلِهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا إِلَى تِلْكَ الْمُنَازَعَاتِ نَعُدْ إِلَى تَرْكِ نُصْرَتِكُمْ لِأَنَّ الْوَعْدَ بِنُصْرَتِكُمْ مَشْرُوطٌ بِشَرْطِ اسْتِمْرَارِكُمْ عَلَى الطَّاعَةِ وَتَرْكِ الْمُخَالَفَةِ، ثُمَّ لَا تَنْفَعُكُمُ الْفِئَةُ وَالْكَثْرَةُ، فَإِنَّ اللَّه لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَا يَرْتَكِبُونَ الذُّنُوبَ.
مفاتيح الغيب
أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي