ﭩﭪﭫﭬﭭﭮ

ويحتمل أن تكون نسبة هذه الأفعال إلى نفسه وإضافتها إليها، لما نسب وأضاف كل خير ومعروف إلى نفسه؛ من ذلك قوله: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا...) الآية. وقوله: (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)، وقوله: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)، وغير ذلك من الآيات التي فيها إضافة الأفعال التي خلصت لله وصفت له؛ فعلى ذلك نسب فعلهم إلى نفسه؛ لخلوصه وصفائه له، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا).
أي: نعمة عظيمة؛ حيث نصرهم على عدوهم مع ضعف أبدانهم، وقلة عددهم، وكثرة أعدائهم، وقوة أبدانهم وعدتهم، وهو ما ذكر في هلاك فرعون وقومه أنه بلاء من ربكم عظيم بقوله: (وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ)؛ فعلى ذلك هذا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ).
أي: سميع لدعائكم الذي دعوتم، وتضرعكم الذي تضرعتم إليه.
أو أن يقول: (سَمِيعٌ)، أي: مجيب لدعائكم، (عَلِيمٌ): بأقوالكم وأفعالكم، التي تسرون وتعلنون، واللَّه أعلم.
وقول - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨)
قوله: (ذَلِكُمْ)، أي: ذلك كان بهم من القتل والأسر والهزيمة لما أوهن وأضعف كيدهم تعالى.
ويحتمل أن يكون صلة قوله: (وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا)، أي: ذلك الإنعام والإبلاء الذي من اللَّه عليكم لما أوهن كيدهم، وذلك يكون في جملة المؤمنين، ما من مؤمن إلا وله من اللَّه إليه إبلاء وإنعام في كل حال لإيهانه كيد الكافرين.
وقوله: (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ... (١٩)
الاستفتاح يحتمل وجوهًا ثلاثة:
يحتمل الاستكشاف وطلب البيان، ويكون طلب النصر والمعونة؛ كقوله: (وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ

صفحة رقم 171

يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا)، أي: يستنصرون، ويكون طلب الحكم والقضاء بين الحق والباطل؛ يقال: فتح بكذا، أي: حكم به وقضى، فهو يخرج على وجهين: على طلب بيان المحق من المبطل، وطلب بيان أحق الدِّينين بالنصر والحكم؛ فقد بين اللَّه لهم أحق الدِّينين ما ذكر في القصة أن أبا جهل قال: اللهم اقض بيننا

صفحة رقم 172

وبين مُحَمَّد، فقال: اللهم أينا كان أوصل للرحم وأرضى عندك فانصره. ففعل الله ذلك، ونصر المؤمنين، وهزم المشركين، فنزلت هذه الآية.
وقيل: إنه دعا: اللهم انصر أعز الجندين وأكرم الفئتين وخير القبيلين؛ فكان ما ذكرنا؛ فقد بين اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أحق الدِّينين، وأعز الجندين لما هزم المشركين مع قوتهم وعدتهم، وكثرة عددهم بفئة ضعيفة، ذليلة، قليلة العدد، وضعيفة الأبدان والأسباب - دل أنه قد بين لهم الأحق من غيره.
وقيل: إنهم استفتحوا بالعذاب، وكان استفتاحهم ما قالوا: (اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)، فجاءهم العذاب يوم بدر، وأخبرهم يوم أحد: (وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا...) الآية، والاستفتاح هو ما ذكرنا.
قال الحسن: الفتح القضاء.
ولذلك قال قتادة: قالوا: إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء في يوم بدر؛ كقوله: (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ...) الآية.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: قوله: (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا): تسألوا الفتح، وهو النصر، (فَقَدْ جَاءَكُمُ) وهو ما ذكرنا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ).
يحتمل قوله: وإن تنتهوا عما كنتم، فهو خير لكم يغفر لكم؛ كقوله: (إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ).

صفحة رقم 173

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية