ثم ندب إلى التوبة، فقال :
قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ
يقول الحق جل جلاله : قل للذين كفروا ؛ كقريش وغيرهم : إن ينتهوا عن الكفر ومعاداة الرسول بالدخول في الإسلام، يغفر لهم ما قد سلف من ذنوبهم، ولو عظمت، وإن يعودوا إلى الكفر وقتاله فقد مضت سُنَّتُ الأولين أي : مضت عادتي مع الذين تحزبُوا على الأنبياء بالتدمير والهلاك، كعاد وثمود وأضرابهم، وكما فعل بهم يوم بدر، فليتوقعوا مثل ذلك، وهو تهديد وتخويف.
الإشارة : قل للمنهمكين في الذنوب والمعاصي : لا تقنطوا من رحمتي، فإني لا يتعاظمني ذنب أغفره، فإن تنتهوا أغفر لكم ما قد سلف، وأنشدوا :
يستوجب العَفْوَ الفتى، إذا اعترف *** بما جَنى، وما أتى، وما اقْتَرفْ
لقوله :( قُل للذين كفروا *** إنْ ينتهوا يُغفر لهم ما قد سلف )
وللشافعي رضي الله عنه :
فَلَمَّا قَسَا قَلْبِي وَضَاقَتْ مَذَاهِبِي *** جَعَلْتُ الرَّجَا مِنَّي لعَفْوكَ سُلما
تَعَاظَمَنِي ذَنْبِي، فَلَمّا قَرَنْتهُ *** بعَفْوِكَ رَبِّي، كانَ عَفْوُكَ أَعْظَمَا
فَمَا زِلْتَ ذَا جُودِ وَفَضْلٍ وَمِنَّةٍ *** تَجُودُ وتَعْفُو مِنَّة وتَكَرُّمَا
فإن لم ينته المنهمك في الهوى فقد مضت سُنة الله فيه ؛ بالطرد والإبعاد، ويخاف عليه سوء الختام، والعياذ بالله.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي