قوله : أولئك هُمُ المؤمنون حَقّاً يجوز في حقّاً أن يكون صفة لمصدر محذوف، أي : هم المؤمنون إيماناً حقاً، ويجوز أن يكون مؤكداً لمضمون الجملة، كقولك : هو عبد الله حقاً، والعاملُ فيه على كلا القولين مُقدَّرٌ، أي : أحقُّه حقاً، ويجوز وهو ضعيفٌ جدّاً أن يكون مؤكِّداً لمضمون الجملة الواقعةِ بعده وهي : لَهُم درجاتٌ ويكون الكلامُ قد تمَّ عند قوله : هُمُ المُؤمِنُونَ ثم ابتدأ ب حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ وهذا إنَّما يجوزُ على رأي ضعيف، أعني تقديم المصدر المؤكِّد لمضمون جملة عليها.
قوله : عِندَ ربِّهِمْ يجوزُ أن يكون متعلقاً ب " دَرَجَاتٌ "، لأنَّها بمعنى أجُورٌ، وأن يتعلَّق بمحذوفٍ ؛ لأنَّها صفةٌ ل " درجاتٌ " أي : اسْتقرَّت عند ربهم، وأن يتعلَّق بما تعلَّق به لَهُمْ من الاستقرار.
فصل
قوله : أولئك هُمُ المؤمنون حَقّاً أي : يقيناً، قال ابنُ عبَّاسٍ : برءوا من الكفر(١)، قال مقاتل : حَقّاً لا شكَّ في إيمانهم(٢)، وفيه دليلٌ على أنَّه ليس لكل أحد أن يصف نفسه بكونه مؤمناً حقّاً ؛ لأنَّ الله تعالى إنَّما وصف بذلك أقواماً مخصوصين على أوصاف مخصوصة، وكلُّ أحدٍ لا يتحقَّقُ وجود ذلك الأوصاف فيه وقال ابنُ أبي نجيح : سألَ رجلٌ الحسن فقال : أمؤمن أنت ؟ فقال : إن كنت تسألني عن الإيمان باللَّه وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والجنَّة، والنَّار، والبعث، والحساب، فأنا بها مؤمن وإن كنت تسألني عن قوله : إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ الآية، فلا أدري أمنهم أنا أم لا ؟. وقال علقمةُ : كنا في سفر فلقينا قوماً فقلنا : من القومُ ؟ فقالوا : نحنُ المؤمنون حقاً، فلم ندر ما نجيبهم حتَّى لقينا عبد الله بن مسعود، فأخبرناه بما قالوا : قال : فما رَدَدْتُمْ عليهم ؟ قلنا : لم نردّ عليهم شيئاً، قال : أفلا قلتم أمِنْ أهلِ الجنَّة أنتم ؟ إنَّ المؤمنين أهلُ الجنَّةِ.
وقال سفيانُ الثوريُّ : من زعم أنَّهُ مؤمن حقاً عند الله، ثم لم يشهدْ أنَّه في الجنَّة فقد آمن بنصف الآية دون النِّصف(٣).
ثم قال تعالى : لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ قال عطاءٌ : بمعنى : درجات الجنَّةِ ويرتقونها بأعمالهم، قال الربيعُ بنُ أنس : سبعون درجة بين كلِّ درجتين حر الفرس المضمر سبعين سنة " ومَغْفرةٌ " لذنوبهم وَرِزقٌ كريمٌ حسن.
قال الواحديُّ(٤) : قال أهل اللُّغةِ : الكريمُ : اسم جامع لكل ما يحمدُ ويستحسنُ، والكريم المحمود فيما يحتاج إليه فاللَّهُ تعالى موصوفٌ بأنه كريم، والقرآنُ موصوف بأنَّه كريم، قال تعالى : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [ الواقعة : ٧٧ ] وقال تعالى : مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ [ الشعراء : ٧ ] وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً [ النساء : ٣١ ] وقال : وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً [ الإسراء : ٢٣ ] فالرزق الكريم هو الشريفُ الفاضل الحسن.
٢ انظر معالم التنزيل للبغوي (٢/٢٢٩)..
٣ انظر: المصدر السابق..
٤ ينظر: تفسير الفخر الرازي ١٥/١٠٠..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود