أولئك الموصوفون بمكارم أعمال القلوب من الإخلاص والخشية والتوكل واطمئنان الأنفس بذكر الله ومحاسن أعمال الجوارح من الصلاة والصدقة هم المؤمنون حقا صفة لمصدر محذوف أي إيمانا حقا ومصدر مؤكد يعني إيمانه حقا لا شبهة فيه.
عن الحسن أن رجلا سأله أمؤمن أنت ؟ قال : إن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه رسله والجنة والنار والبعث والحساب فأنا وإن كنت تسألني عن قوله تعالى إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم الآية فلا أدري أمنهم أنا أم لا.
قلت مراد الحسن أن كما الإيمان بالإخلاص وتصفية القلب وتزكية النفس و تحلية الجوارح بالطاعات وترك المعاصي وذلك أمر نادر لا أدري اتصاف نفسي به وأما نفس الإيمان فموجود بفضل الله فليس هذا من قبيل أنا مؤمن إن شاء الله وقال علقمة : كنا في سفر فلقينا قوما من هؤلاء قالوا : نحن المؤمنون حقا فلم ندر ما نجيبهم حتى لقيا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فأخبرناه بما قالوا : قال فما رددتم عليهم ؟ قلنا : لم نرد عليهم قال : هلا قلتم أمن أهل الجنة أنتم ؟ إن المؤمنين أهل الجنة.
وقال الثوري : من زعم أنه مؤمن حقا أو عند الله ثم لم يشهد أنه في الجنة فقد آمن بنصف الآية دون النصف، وبهذا يتشبث من يقول : أنا مؤمن إن شاء الله يعني المراد بالاستثناء عدم الجزم بحسن الخاتم الموجب لكونه من أهل الجنة لا الشك في إيمانه الحالي ذات الشك ينافي الإيمان الاعتقا د الجازم، وكان أبو حنيفة رحمه الله يكره هذا القول لكونه موهما للشك المنافي للاعتقاد الجازم يقول : أنا مؤمن حقا باعتبار حصول الاعتقاد الجازم في الحال لا بمعنى الجازم بحسن الخاتمة فالنزاع إنما هو في اللفظ دون المعنى لكن الأحوط قول أبي حنيفة.
قال أبو حنيفة لقتادة : لم تستثني في إيمانك ؟ قال : اتباعا لإبراهيم عليه السلام في قوله : والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ( ٨٢ ) ١ فقال له هلا اقتديت به في قوله :{ قال نؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ٢وعن إبراهيم التميمي قال : قل أنا مؤمن حقا فإن أثبت عليه وإن كذبت فكفرك أشد عليك من ذلك.
وعن ابن عباس من لم يكن منافقا فهو مؤمن حقا لهم درجات كرامة وفضل وعلو منزلة عند ربهم نظيره قوله تعالى تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ٣ وقال عطاء : درجات الجنة يرتقونها بأعمالهم.
عن عبادة بن الصامت قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :" في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض والفردوس أعلاها درجة منه تفجر انهار الجنة الأربعة ومن فوقها يكون العرش فإذا سألتم الله فاسألوا الفردوس " ٤ رواه الترمذي، وقال البغوي قال : الربيع بن أنس سبعون درجة ما بين كل درجتين الفرس المضمر سبعين سنة مغفرة لما فرط منهم ورزق كريم حسن أعد الله لهم في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر ببال أحد ولا ينقطع أبدا
٢ سورة البقرة الآية ٢٦٠..
٣ سورة البقرة ٢٥٣..
٤ أخرجه الترميذي في كتاب: صفة الجنة، باب: ما جاء في صفة درجات الجنة ٢٥٣١.
التفسير المظهري
المظهري