أحدهما: وهو الذي عليه عامة أهل العلم أن ذلك يكون بانشراح الصدور ووضوح الدليل، فكل من زاده الله شرح الصدر واتضاح الدلائل زاده معرفة ويقينًا، وما من آية ظهرت له إلا زاد تصديقه لقوة المعرفة التي تقوي بها البصيرة؛ لأنه يكون من الشك أبعد، واليقين مهما كان احتمال الشك عنه أبعد كان أقوى، وإلى هذا أشار النبي - ﷺ - في قوله: "لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح" (١).
قال الإمام البخاري رحمه الله كتبت عن ألف نفر من العلماء وزيادة، ولم أكتب إلا عمن قال: الإيمان قول وعمل. "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" للإمام اللالكائي ٥/ ٨٨٩. وقال أبو عمر بن عبد البر المالكي: أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والطاعات كلها عندهم إيمانا، إلا ما ذكر عن أبي حنيفة وأصحابه فإنهم ذهبوا إلى أن الطاعة لا تسمى إيمانًا، قالوا إنما الإيمان: التصديق والإقرار، إلى أن قال: وأما سائر الفقهاء من أهل الرأي والآثار بالحجاز والعراق والشام ومصر فقالوا: الإيمان قول وعمل، قول باللسان وهو الإقرار، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح من الإخلاص. "التمهيد" ٩/ ٢٣٨ - ٢٤٣.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: المأثور عن الصحابة، وأئمة التابعين، وجمهور السلف، وهو مذهب أهل الحديث، وهو المنسوب إلى أهل السنة: أن الإيمان قول وعمل. "مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية" ٧/ ٥٠٥.
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الخلاف بين أبي حنيفة وسائر الأئمة فيما يقع عليه اسم الإيمان اختلاف صوري.
انظر: "شرح العقيدة الطحاوية" لابن أبي العز الدمشقي ٢/ ٤٦٢.
(١) الصحيح أنه من كلام عمر -رضي الله عنه-، ولا يصح رفعه. انظر: "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكانى ص ٢٣٥.
يريد أن معرفته بالله أقوى وإلا فكان غيره من الصحابة يصدق الرسول كما يصدق هو.
الوجه الثاني في زيادة التصديق: أنهم يصدقون بكل ما يتلى عليهم من عند الله، يصدقون بالأول والثاني والثالث، وكل ما يأتي من عند الله؛ فيزيد تصديقهم؛ لأن من صدق إنسانًا في شيئين كان تصديقه له أكثر من تصديق من صدقه في شيء واحد، وهذا معنى قول أبي إسحاق (١)، يدل على صحة هذا قول مقاتل: وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا: تصديقًا مع تصديقهم (٢) بما أنزل عليهم من قبل ذلك من القرآن (٣).
فعلى هذا ما من آية استأنفوا بها تصديقًا إلا ازدادوا إيمانا.
وقوله تعالى: وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. قال ابن عباس: يريد بالله يثقون، لا يرجون غيره (٤).
٤ - قوله تعالى: أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا الإشارة في قوله (أولئك) إلى من وصف بالأوصاف التي تقدمت.
قال ابن عباس: يقول: (برئوا من الكفر) (٥)، وقال الكلبي: أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ صدقًا منهم لأنه لم يكن يوم بدر مع رسول الله - ﷺ - إلا الصادق في إيمانه (٦).
(٢) في "تفسير مقاتل": تصديقًا مع إيمانهم مع تصديقهم... إلخ.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل بن سليمان" ١١٨ أ.
(٤) رواه مختصرًا ابن جرير ٩/ ١٧٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٥٦ أ.
(٥) رواه ابن جرير ٩/ ١٨٠، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٥٧ ب.
(٦) في "تنوير المقباس" ص١٧٧ عن الكلبي عن ابن عباس: صدقًا يقينًا.
وقال مقاتل: أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ لا شك في إيمانهم كشك المنافقين (١)، وقال أهل المعاني: أولئك الذين أخلصوا الإيمان لا كمن كان له اسمه على ظاهر الحال وهم عن ذلك بمعزل لما يشوبه من الفساد (٢).
فأما وجه انتصاب قوله (حقًّا) فمذهب الفراء فيه أنه انتصب على معنى أخبركم بذلك حقًا (٣)، أي: إخبارًا حقًا، وهذا كما ذكرنا في قوله: أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا [النساء: ١٥١]، فعنده أن هذا نصب من نية الخبر، ومذهب سيبويه وأصحابه أنه مصدر مؤكد لفعل محذوف دل عليه الكلام (٤)، قال المبرد: (حقوا حقًّا) (٥)، ومعنى حقوا حقًا أي: أتوا ما وصفوا به وفعلوه حقًّا صدقًا، من قول العرب: حققته حذره وأحققته أي: فعلت ما كان يحذر (٦)، وقال الزجاج: (حقًا) منصوب بمعنى دلت (٧) عليه الجملة وهي قوله: أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا أي: أحق ذلك حقًّا (٨).
(٢) ذكر معنى ذلك ابن جرير في "تفسيره" ٩/ ١٨٠ ولم أجد من ذكره من أصحاب المعاني كأبي عبيدة والفراء والأخفش والزجاج والنحاس والأزهري.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء ١/ ١٥٤.
(٤) انظر: "كتاب سيبويه" ١/ ٣٨٣.
(٥) قال المبرد في "المقتضب" ٣/ ٢٦٦: هذا باب ما وقع من المصادر توكيدًا، وذلك قولك: هذا زيد حقًّا؛ لأنك لما قلت: هذا زيد، فخبرت، إنما خبرت بما هو عندك حق، فاستغنيت عن قولك: أحق ذلك، وكذلك: هذا زيد الحق لا الباطل؛ لأن ما قبله صار بدلاً من الفعل.
(٦) انظر: "مجمل اللغة" لابن فارس (حقق) ١/ ٢١٦.
(٧) في (ح) و (س): (دل)، وما أثبته من (م) وهو موافق للمصدر التالي.
(٨) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٤٠١ وقد تصرف الواحدي في عبارة الزجاج.
ومعنى هذا كأنه قال: أخبركم بذلك أحقه حقًا، ومعنى هذا راجع إلى معنى قول الفراء، فعلى قول الزجاج والفراء يعود هذا التأكيد المذكور بقوله (حقًا) إلى إخبار الله تعالى، وعلى قول المبرد يعود إلى تأكيد إيمانهم وتحقيقه، وعلى هذا فكل من استجمع شرائط الإيمان واعتقادها فهو مؤمن في الحال على الحقيقة من غير استثناء (١)، وإنما الاستثناء للحالة المقابلة؛ لأن العبد على غير أمن من العاقبة فيرجو الموافاة على الإيمان إن شاء الله [والناس مختلفون في هذا فأهل الحديث ذهبوا إلى أن المؤمن يقول: أنا
أ- قيل إن ذلك محرم، وهو مذهب المرجئة والجهمية الذين يرون أن الإيمان شيء واحد لا تفاضل فيه، فالاستثناء في الإيمان شك فيه -كما يرون-.
ب- أن ذلك واجب؛ لأن في تركه تزكية للنفس، وشهادة لصاحبها بأنه من الأبرار المتقين. وهذا قول بعض من ينتسب للحنابلة.
ج- أنه محرم إذا كان للشك، جائز فيما عدا ذلك، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، وقد جوزوا الاستثناء في الإيمان لاعتبارات ثلاث:
١ - أن الإيمان المطلق يتضمن فعل ما أمر الله به عبده كله، وترك ما نهاه عنه كله، والمؤمن لا يستطيع أن يجزم بذلك.
٢ - أن الإيمان هو ما مات الإنسان عليه، فلا عبرة بالإيمان قبل الموافاة عليه، فالمستثني لا يشك في إيمانه وإنما أراد عدم علمه بالعاقبة.
٣ - تعليق الأمر بمشيئة الله تعالى، والإخبار أن إيمانه وعدمه مرهون بمشيئة الله كما قال تعالى: وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ [الأعراف: ٤٣]، وقوله: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [التكوير: ٢٩].
انظر: "مجموع فتاوى شيخ الإسلام" ٧/ ٤٢٩ - ٤٦٠، و"شرح العقيدة الطحاوية" ٢/ ٤٩٤ - ٤٩٨.
مؤمن إن شاء الله] (١) لا على الشك فيما يجب عليه الإيمان به، ولكن على معنى: أن المؤمن الحقيقي من يكون من أهل الجنة، قالوا: وجميع عمر العبد كطاعة واحدة يتوقف بعضها على بعض في الصحة، فإذا شرع في صلاة أو صوم فما لم يفرغ منها ولم يخرج منها على الصحة لا يقال: إنه مصل على الحقيقة وصائم على الحقيقة، وكذلك ما لم تحصل موافاته على السلامة والإيمان لا يعلم أنه مؤمن على الحقيقة (٢)، فأما في علم الله فيجوز أن يكون مؤمنًا على الحقيقة ولكنا لا ندري ذلك.
وقال قوم من أصحابنا (٣) وهو مذهب الإمام أبي إسحاق الإسفراييني رحمه الله: إنه يكون في الحال مؤمنًا على الحقيقة وإن جاز أن يتغير في العاقبة (٤)، وليس سلامة العاقبة من شرط استحقاق الاسم على الحقيقة، وتغير (٥) الأحكام في المستقبل لا يمنع ثبوتها في الحقيقة في الحال كالحركة إذا وجدت بالمحل أوجبت له حكم المتحرك، وجواز (٦) وجود السكون لا يمنع من استحقاق حكم المتحرك وكذلك في جميع الأسماء المشتقة من معان، قالوا: والأصل في هذا أن الأسامي مبقاة على استعمال
(٢) ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذا التعليل يذكره بعض المتأخرين من أصحاب الحديث، ولكنه ليس قول السلف، وإنما المأثور عن السلف بأن الاستثناء إنما هو لأن الإيمان يتضمن فعل الواجبات كلها فلا يشهدون لأنفسهم بذلك لما فيه من تزكية النفس بلا علم. انظر: "مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" ٧/ ٤٣٩.
(٣) يعني الأشاعرة، ومنهم أبو المعالي الجويني في كتاب "الإرشاد" ص ٣٣٦.
(٤) في (ح) و (س): (الباني)، من غير نقط.
(٥) في (ح): (لغير)، وهو خطأ.
(٦) في (ح): (وهو جواز)، وهذا خطأ من الناسخ.
أهل اللغة، وأهل اللغة لم يطلقوا هذا الاسم بشرط موافاة العاقبة، فللرجل أن يقول: أنا مؤمن حقًا، وأنا مؤمن على الحقيقة، أموت على الإيمان إن شاء الله، وهذا مذهب مخالفينا في هذه المسألة (١).
وقوله تعالى: لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ قال عطاء: يعني درجات الجنة يرتقونها بأعمالهم (٢)، ونحو هذا قال أهل المعاني: لهم مراتب بعضها أعلى من بعض على قدر أعمالهم (٣).
وقوله تعالى: وَرِزْقٌ كَرِيمٌ قال أهل اللغة: الكرم اسم جامع لكل ما يحمد ويستحسن (٤)، والكريم: المحمود فيما يحتاج إليه فيه، فالله تعالى يوصف بأنه كريم (٥)، وقال تعالى: مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ [الشعراء: ٧]، إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [الواقعة: ٧٧]، إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) [النمل: ٢٩]، وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا [النساء: ٣١]، وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا [الإسراء: ٢٣]، ونذكر شرح كل واحد في موضعه، فالرزق الكريم: هو الشريف الفاضل الحسن الممدوح.
قال هشام بن عروة: يعني ما أعد الله لهم في الجنة من لذيذ المآكل والمشارب (٦) وهنيء العيش (٧).
(٢) ذكره أبو إسحاق الثعلبي في "تفسيره" ٦/ ٣٩ أ.
(٣) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج ٢/ ٤٠١، وروى نحوه ابن جرير ٩/ ١٨١ عن عبد الله بن محيريز الجمحي.
(٤) "تهذيب اللغة" (كرم) ٤/ ٣١٣٢، و"لسان العرب" (كرم) ٧/ ٣٨٦١.
(٥) كما في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار: ٦].
(٦) في (م): (المأكل والمشرب).
(٧) رواه الثعلبي في "تفسيره" ٦/ ٣٩ أ، واعتمده ابن جرير تفسيرًا للجملة من الآية =
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي