ﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦ

ثم قال : وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا [ الأنفال : الآية ٤٤ ] فهذا رأي في العين تصديقا لرؤياه صلى الله عليه وسلم واذكر حين يريكموهم الله في منامك قليلا. الصحيح أن ( قليلا ) هنا و ( كثيرا ) أنهما حالان، وأنها ( رأى ) البصرية عديت بالهمزة فتعدت إلى مفعول آخر، وأن ( قليلا ) ليس مفعولا ثالثا، خلافا لمن قال من بعض العلماء : إنها عديت هنا إلى المفعول الثالث. والأصوب : أن ( قليلا ) هنا حال، وأنها ليست بمفعول ثالث، لأن ( رأى ) هذه بصرية لا علمية على التحقيق. وهذا معنى قوله : وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا يعني ترونهم كأنهم شيء قليل لتتجرؤوا عليهم وتشجعوا وتقوى نفوسكم عليهم، وقد جاء عن ابن مسعود ( رضي الله عنه ) أنهم لما تصوبوا من كثيب بدر قال لرجل معه : أتظنهم يبلغون سبعين – وهم ألف – فقال الرجل : أرى أنهم يبلغون مئة. هذا من شدة تقليلهم في أعينهم ليتجرؤوا عليهم، كذلك ويقللكم في أعينهم لما رأوهم قالوا : هؤلاء أكلة جزور وليسوا بشيء. وقال أبو جهل : لا تقتلوهم بل خذوهم واربطوهم لنذهب بهم حيث نشاء. من شدة استقلاله لهم، وظنه أنهم لا شيء ! ! وهذا معنى قوله : وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليتجرأ هؤلاء على هؤلاء، وهؤلاء على هؤلاء، لأجل أن يقضي الله أمره، وينفذ إرادته ومشيئته بتهيئته أسباب ذلك. وهذا معنى قوله : وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله بذلك أمرا كان مفعولا في علمه، وأزله، منفذا في وقته لا محالة، لأن الله ( جل وعلا ) يقضي ويقدر، فيقدر كل ما شاء ثم يقضيه منجزا في أوقاته في أماكنه على هيئته وصوره التي سبق بها علمه ( جل وعلا ) قال : ليقضي الله أمرا كان مفعولا .
وإلى الله جل وعلا وحده ترجع الأمور قرأ هذا الحرف ابن عامر، وابن كثير، وأبو عمرو : وإلى الله ترجع الأمور ببناء الفعل للفاعل. وقرأه بقية السبعة : وإلى الله ترجع الأمور ببناء الفعل للمفعول. ف( الأمور ) على الأول فاعل ( ترجع ) وعلى القراءة الثانية : نائب فاعل ( ترجع ). و( الأمور ) جمع أمر، ويعم كل الشؤون. والمعنى : مدار الأمور ومصيرها إليه ( جل وعلا ) قال تعالى : ألا إلى الله تصير الأمور [ الشورى : الآية ٥٣ ] وقد صار إليه هذا الأمر وآل إليه فنفذ فيه مشيئته وقدرته، وهيأ الأسباب حتى هزم الكفرة وقتل صناديدهم ورؤساءهم وكسر شوكتهم على أيدي أوليائه المسلمين، ونصر نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأيدهم بنصره، وهذا قضاؤه وقدره ( جل وعلا )، والله يهيئ الأسباب، ولو شاء فعل بلا سبب، إلا أنه اقتضت حكمته أن يرتب المسببات على أسباب، ويسبب للأشياء ( جل وعلا ) سبحانه وتعالى.

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير