ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟ

وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ فيما يأمر به ؛ لأن الجهاد لا ينفع إلاَّ مع التَّمسُّك بسائر الطاعات، " ولاَ تَنَازعُوا " لا تختلفوا، فإنَّ النزاعَ يوجب أمرين.
أحدهما : الفشل، وهو الجُبن والضَّعف.
والثاني :" تَذْهبَ ريحُكُمْ ".
قال مجاهدٌ : نصرتكم١.
وقال السُّديُّ : جراءتكم وجدكم٢.
وقال مقاتل : حدَّتكم٣.
وقال النضرُ بنُ شُميلٍ : قُوَّتكم٤. وقال الأخفشُ : دولتكم. و " الرِّيح " هاهنا - كنايةٌ عن بقاء الأمر وجريانه على المرادِ ؛ تقول العربُ :" هَبَّت ريحُ فلان " إذا أقبل أمره على ما يريدُ، وهو كنايةُ عن الدَّوْلة والغلبة ؛ قال :[ الوافر ]

إذَا هَبَّتْ رياحُكَ فاغْتَنِمْهَا فإنَّ لِكُلِّ عَاصِفَةٍ سُكُونَا٥
ورواه أبو عبيدٍ " رُكُوداً ".
وقال آخر :[ البسيط ]
أتَنْظُرانِ قَلِيلاً رَيْثُ غَفْلتِهِم أو تَعْدُوانِ فإنَّ الرِّيحَ للْعَادِي٦
وقال :[ البسيط ]
قَدْ عَوَّدْتُهُمْ ظبَاهُمْ أن يكُونَ لَهُمْ ريحُ القتالِ وأسْلابُ الَّذينَ لَقُوا٧
وقيل : الريح : الهيبةُ، وهو قريبٌ من الأولِ ؛ كقوله :[ البسيط ]
كَمَا حَميناكَ يْوْمَ النَّعْفِ من شَطَطِ والفَضلُ لِلْقومِ منْ ريحٍ ومِنْ عَدَدِ٨
وقال قتادة وابن زيد :" هو ريح النصر، ولم يكن نصر قط إلاَّ بريحٍ يبعثُهَا اللَّهُ تضرب وجوه العدوّ " ٩.
ومنه قوله عليه الصَّلاة والسَّلام :" نُصِرْتُ بالصَّبَا وأهْلِكَتْ عَادٌ بالدَّبُورِ " ١٠
وقال النعمانُ بنُ مقرن :" شَهِدتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان إذَا لم يُقاتِل في أول النَّهارِ، انتظر حتَّى تزولَ الشَّمسُ، وتهب الريح، وينزل النّصر " ١١
قوله " تَفْشَلُوا " يحتملُ وجهين :
أحدهما : نصبٌ على جواب النَّهي.
والثاني : الجزم عطفاً على فعل النَّهْي قبله، وقد تقدَّم تحقيقهما في " وتَخُونُوا " قبل ذلك، ويدُلُّ على الثاني قراءة عيسى١٢ بن عمر " ويَذْهَبْ " بياء الغيبة وحزمه، ونقل أبو البقاء قراءة الجزم ولم يُقيِّدها بياء الغيبة.
وقرأ أبُو حيوة وأبان١٣ وعصمة " ويَذْهَبَ " بياء الغيبة ونصبه.
وقرأ الحسنُ١٤ " فَتَفْشِلُوا " بكسر الشين، قال أبو حاتمٍ :" هذا غيرُ معروفٍ " وقال غيره : إنَّها لغةٌ ثانية.

فصل


احتجَّ نُفاة القياسِ بهذه الآية فقالوا : القياس يفضي إلى المنازعةِ، والمنازعةُ محرَّمةٌ بهذه الآية ؛ فوجب أن يكون العمل بالقياس محرماً ببيان الملازمة، فإنّا نشاهد الدُّنيا مَمْلُوءةً من الاختلافات بسبب القياس.
وأيضاً القائلون بأنَّ النَّص لا يجوز تخصيصه بالقياس تَمَسَّكُوا بهذه الآية، وقالوا : قوله تعالى : وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ صريح في وجوب طاعة الله ورسوله في كل ما نصَّا عليه، ثم أتبعه بقوله : وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ومَنْ تمسَّك بالقياس المخصص بالنَّصِّ فقد ترك طاعة اللَّهِ وطاعة رسوله، وتمسَّك بالقياس الذي يوجب التنازع والفشل، وكلُّ ذلك حرام. والجوابُ : بأنَّهُ ليس كلُّ قياس يوجب المنازعة.
قوله :" ولا تنَازَعُوا " معطوف على قوله :" فاثْبُتُوا " وهو جواب الشَّرطِ في قوله : إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فالمحرَّم التنازع عند لقاء فئة الكُفَّارِ، فلا حجة فيها، وأيضاً : فقد ترتَّب على التنازع الفشل وذهاب الريح التي هي الدولة، وذلك لا يترتَّب على القياس.
ثم قال : واصبروا إِنَّ الله مَعَ الصابرين والمقصودُ أنَّ كمال أمر الجهادِ مبنيٌّ على الصَّبْرِ فأمرهم بالصبر. كما قال في آية أخرى : اصبروا وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ [ آل عمران : ٢٠٠ ]. عن سالم أبي النضر مولى عُمَر بن عُبيدِ اللَّهِ وكان كاتباً له، قال : كتب إليه عبدُ الله بن أبِي أوفَى أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أيَّامِهِ الَّتي لقيَ فيها العَدُو، انتظر حتَّى مالتِ الشَّمْسُ، ثمَّ قام في النَّاس، فقال :" يا أيُّهَا النَّاسُ لا تَتمنوا لقاء العدُوّ، واسألوا اللَّهَ العَافيةَ فإذا لقِيتُمُوهم فاصْبِرُوا، واعلَمُوا أنَّ الجنَّة تحتَ ظلالِ السُّيُوفِ " ثم قال :" اللَّهُمَّ مُنزلَ الكتابِ، ومُجْرِي السَّحابِ، وهازِمَ الأحْزابِ، اهزمْهُمْ، وانْصُرْنا عليْهِمْ " ١٥
١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٢٦١) وذكره البغوي في "معالم التنزيل" (٢/٢٥٣)..
٢ انظر المصادر السابقة..
٣ انظر "معالم التنزيل" للبغوي (٢/٢٥٣)..
٤ انظر المصدر السابق..
٥ البيت من شواهد البحر ٤/٤٩٩ تفسير القرطبي ٨/٢٤ روح المعاني ١٠/١٤ حاشية الشهاب ٤/٢٨٠ الدر المصون ٣/٤٢٥..
٦ البيت اختلف في نسبته فقيل لتأبط شرا، وقيل لسليك بن سلكة وقيل للأعشى ينظر: الكشاف ٢/١٧٧ اللسان ٣/١٧٦٤ البحر المحيط ٤/٤٩٩، الدر المصون ٣/٤٢٦..
٧ البيت لشاعر من شعراء الأنصار ينظر: تفسير ابن عطية (٢/٥٣٧) والبحر المحيط (٤/٤٩٩) الدر المصون ٣/٤٤٦..
٨ البيت لعبيدة بن الأبرص في ديوانه ٥٦ وفيه "من شطط" ينظر: تفسير الطبري ١٣/٥٧٥ البحر المحيط ٤/٥٠٠ الدر المصون ٣/٤٢٦..
٩ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٢٦١) عن ابن زيد..
١٠ أخرجه البخاري (٢/٥٢٠) كتاب الاستسقاء: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم نصرت بالصبا حديث (١٠٣٥) ومسلم (٢/٦١٧) كتاب الاستسقاء: باب في ريح الصبا وأحمد (١/٢٢٣، ٢٢٨) من حديث ابن عباس..
١١ أخرجه أبو داود (٢٦٥٥) والترمذي (٤/١٦٠) رقم (١٦١٣) وأحمد (٥/٤٤٤-٤٤٥) والحاكم (٢/١١٦) من حديث النعمان بن مقرن.
وقال الترميذي: هذا الحديث حسن صحيح.
وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي..

١٢ ينظر" الكشاف ٢/٢٢٦، المحرر الوجيز ٢/٥٣٦، البحر المحيط ٤/٤٩٩، الدر المصون ٣/٤٢٥..
١٣ المصادر السابقة..
١٤ قاله أبو حاتم عن إبراهيم.
ينظر: المحرر الوجيز ٢/٥٣٦، البحر المحيط ٤/٤٩٩، إتحاف ٢/٨١..

١٥ أخرجه البخاري (٦/١٢٠) كتاب الجهاد: باب كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم يقاتل حديث (٢٩٦٦) ومسلم (٣/١٣٦٢-١٣٦٣) كتاب الجهاد والسير: باب كراهة تمني لقاء العدو (٢٠/١٧٤٢) من حديث سالم أبي النضر..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية