وأطيعوا الله ورسوله [ الأنفال : الآية ٤٦ ] هذه التعاليم السماوية الكفيلة بالنصر والظفر وقمع القردة الكفرة وإيقافهم عند حدهم أطيعوا الله فيما يأمركم به على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأطيعوا رسوله صلى الله عليه وسلم فيما يبلغكم عن ربكم وما ينطق عن الهوى ( ٣ ) إن هو إلا وحي يوحى ( ٤ ) [ النجم : الآيتان ٣، ٤ ].
والياء في قوله : أطيعوا الياء التي بين الطاء والعين أصلها ( واو ) لأن المادة من ( الطوع ) فهو أجوف واوي العين، أصلها : " أطوعوا " من " الطوع " لا يائي من ( الطيع ).
ومعنى إطاعة الله : هي الانقياد لامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، في النيات والأفعال وكل شيء، وهذا معنى : أطيعوا الله ورسوله .
لا تنزعوا أصله : لا تتنازعوا، لا ينازع بعضكم بعضا وتختلفوا، لأن الناس غالبا تختلف نحلهم ووجهات نظرهم. يعني : إذا اختلفت وجهات نظركم لا تتنازعوا وكل منكم ينصر ما رآه فيخالف أخاه، بل كونوا متفقين دائما، لأن الله ( جل وعلا ) شرع لكم طريقة تتفقون عليها وهي اقتفاء نبيكم صلى الله عليه وسلم والسير في ضوء الكتاب الذي أنزله عليه والسنة التي تركها صلى الله عليه وسلم. وما دام هو صلى الله عليه وسلم موجودا بين أظهرهم فمعلوم أن المصير إلى ما يقوله صلى الله عليه وسلم، وهذا معنى : ولا تنزعوا فإنه نهاهم عن النزاع، لأن التنازع أكبر أسباب الفشل.
والتنازع غالبا يكون بسبب الأغراض الشخصية، وتقديم الأغراض الشخصية الدنيوية على المصالح العامة، فهذه البلية سوسة في الدنيا، وهي أضر أدواء هذا العالم، وهي تقديم المصالح الشخصية على المصالح العامة، وقد نزلت بسببها بلية يتضمن إشكال أزاله الله بفتوى سماوية من عنده، لأن الله ( جل وعلا ) ربما سلط بعض الكفار على بعض المسلمين، وهي مشكلة واقعة الآن، يقول هؤلاء الشباب – الذين هم خفافيش أعماهم نور الإسلام، فصاروا يتطلبون النور في ظلام آراء الكفرة الفجرة – يقولون : كيف نكون على الحق وديننا حق ونحن مستضعفون مضطهدون في أقطار الدنيا، والكفار الذين تقولون : إنهم على باطل وليسوا على حق هم الذين معهم القوة والسيطرة، يبتزون ثرواتنا، ويضطهدوننا في أقطار الدنيا ؟ وهذه المشكلة إنما يسببها التنازع والفشل، والأغراض الشخصية، وتقديمها على المصالح العامة. وهذا الإشكال بعينه قد استشكله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم موجود بين أظهرهم، والملك يروح ويغدو بالوحي، فأتى الله فيه فتوى سماوية هي قرآن يتلى في سورة آل عمران، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد لما صف الصفوف، والتحم القتال بين المسلمين والمشركين، وكان المسلمون سبعمائة مقاتل، والمشركون ثلاثة آلاف مقاتل، أخذ عبد الله بن جبير – أخا خوات بن جبير – ( رضي الله عنهم ) وأمرهم على طائفة الرماة، وقال له : " كونوا عند سفح هذا الجبل – يعني جبل أحد – ولا تأتونا أبدا، إن غلبنا القوم فلا تأتونا، وإن غلبناهم فلا تأتونا "، وأمرهم بأن يثبتوا عند سفح الجبل لئلا يأتيهم القوم من الوراء من بينهم وبين الجبل، فلما التحم القتال في المرة الأولى، وهلك حملة اللواء من بني عبد الدار، وانهزم المشركون هزيمة منكرة، ترك الرماة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لمصالحهم الشخصية، وهي الانتفاع بمال الغنيمة، فقال لهم رئيسهم عبد الله بن جبير ( رضي الله عنه ) : أما أنا فلا أخالف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبقي معه نفر قليل. والآخرون راحوا يطلبون الأغراض الشخصية الدنيوية، وتركوا أمر الرسول. فنظر المشركون فإذا الجبل ليس دونه رجال، فجاؤوا من سفح الجبل وأتوهم من وراء ظهورهم، ودارت عليهم رحى الحرب، وأوقع الله ما أوقع بالمسلمين كما قصه في سورة آل عمران في يوم أحد، قتل من خيار الأنصار سبعون رجلا، وقتل عم رسول الله صلى الله عليه وسلم أسد الله حمزة بن عبد المطلب، وقطع أنفه وأذناه، وأخذ بعض كبده لهند بنت عتبة، وقتل ابن عمته عبد الله بن جحش، وقتل حامل رايته مصعب بن عمير العبدري ( رضي الله عنه ). وشماس بن عثمان المخزومي، وأوقع الله ما أوقع بسبب تلك الأغراض الشخصية وتقديمها على أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وجرح صلى الله عليه وسلم وشقت شفته السفلى اليمنى، وكسرت رباعيته، وشج حتى غاص في جبته بعض حلق المغفر الذي هو على رأسه، وانتزعه أبو عبيدة بن الجراح ( رضي الله عنه ) فسقطت معه ثنيتاه العلييان لقوته، فكان أثرم ( رضي الله عنه )، أي : ساقط الثنيتين. لما وقع هذا استشكله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الاستشكال، وقالوا : كيف يدال منا المشركون، وتكون لهم دولة علينا، ويقتلوننا ويجرحوننا وفينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا الحق ؟ فهذا هو وجه الإشكال. فأفتى الله بإزالة هذا الإشكال فتوى سماوية، قرآنا يتلى في آل عمران، قال : أو لما أصبتكم مصيبة [ آل عمران : الآية ١٦٥ ] يعنى بقتل السبعين الذين قتلوا منكم يوم أحد قد أصبتم مثليها سابقا يوم بدر بأن قتلتم سبعين وأسرتم على أصح التفسيرين، وأكثرهما قائلا، قلتم أنى هذا وهو محل الشاهد، هذا استشكال الصحابة قلتم أنى هذا من أين جاءنا هذا، وكيف يدالون منا، ونحن على حق، وهم على باطل، وفينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلينا ينزل القرآن ؟ كيف يدالون منا ؟ هذا الاستشكال نص عليه الله في قوله : قلتم أنى هذا فاجاب الله بفتواه الإلهية السماوية قال لرسوله : قل هو من عند أنفسكم من قبلكم البلية، وأنتم الذين جنيتموها على أنفسكم، وقوله : هو من عند أنفسكم فيه إجمال أوضحه الله في آية سورة آل عمران هذه، أوضحه بقوله : ولقد صدقكم الله وعده [ آل عمران : الآية ١٥٢ ] يعني : بالنصر على الأعداء إذ تحسونهم يعني تقتلونهم قتلا ذيعا يطفأ معه الحس، ويزول الحس بعده. إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنزعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أركم ما تحبون منكم من يريد الدنيا من هذه البلايا جاءت البلية ووقع ما وقع، ولذا نهى الله عن هذا قال : ولا تنزعوا فتفشلوا الأنفال : الآية ٤٦ وأكبر أسباب النزاع : تقديم المصالح الشخصية والأغراض الدنيوية على المصالح العامة. وهذه أكبر البلايا التي يأتي من قبلها الشر للمسلمين، لأنه قد يخالف بعض المسلمين فتكون العقوبة عامة للجميع. وهذا معنى قوله : ولا تنزعوا فتفشلوا [ الأنفال : الآية ٤٦ ].
الفشل : ضد النجاح. قال بعض العلماء : معناه تضعفوا ويستولي عليكم الخور فتفشلوا وتذهب ريحكم الإنسان إذا كان في عمل يدبره ليحصل وراءه نتيجة فإن تم له عمله ووقع ما أراد قالت العرب : نجح في أمره. وإن كان عكس ذلك قالوا : فشل في أمره، لم ينجح. وقال بعض العلماء : فتفشلوا يستولي عليكم الضعف والخور، لأن النزاع من أكبر أسباب الضعف والخور وعدم انتظام الكلمة، وهذا النزاع والاختلاف هو مشكلة عظمى في أقطار الأرض، لأن من يتسمون باسم المسلمين ينازع بعضهم بعضا، ويعادي بعضهم بعضا، وقد بين تعالى في سورة الحشر أن اختلاف القلوب، والمنازعات الشديدة، وتشتت الآراء والأفكار، وعدم الاتحاد، أن سبب هذا الذي يجتلبه به إنما هو ذهاب العقل وعدم العقل، لأن العاقل لا يتسبب في المخالفة، لأنك إذا اختلفت أنت وأخوك كان تدبيره وكل ما عنده من قوة يعمل ضدك، فإذا كنت عاقلا – ولو عقلا دنيويا – كان تسببك في أن يكون معك، لأن كون قوته وما أعطاه الله في صالحك خير لك من أن يكون في غير ذلك، ولذا بين تعالى أن سبب اختلاف القلوب هو ضعف العقول وعدمها، قال في قوم – وهم اليهود لعنهم الله – بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى [ الحشر : الآية ١٤ ] الآية : مختلفة مفترقة، فرق متعادية مختلفة. ثم بين العلة التي أوجبت تشتت تلك القلوب قال : ذلك بأنهم قوم لا يعقلون وقد تقرر في علم الأصول أن العلل تعمم معلولاتها وتخصصها كما هو معلوم في محله. وهذا معنى قوله : ولا تنزعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم [ الأنفال : الآية ٤٦ ] الفاء سببية. والمعنى : أن التنازع سبب للفشل، والفشل : عدم النجاح والضعف والخور وعدم التمكن. والفاء سببية، والمضارع منصوب بعدها ب ( أن ) المضمرة كما هو معلوم في محله. قوله : وتذهب ريحكم معطوف على المنصوب ب ( أن ) المضمرة قبله.
وقوله : وتذهب ريحكم للعلماء في المراد بالريح هنا أقوال متقاربة لا يكذب بعضها بعضا :
قال بعضهم : وتذهب ريحكم معناه : تذهب قوتكم. وهذا كالتوكيد لقوله : فتفشلوا لأن من فشلوا فقد ذهبت قوتهم، وحاصل الريح هذه في كلام العرب أنهم يريدون بها الدولة أعني : وتذهب دولتكم ويكون الأمر إلى غيركم، لأن العرب تقول : " هبت ريح فلان ". أي : دالت دولته وجاء وقته الذي يتمكن به. وهذا معنى معروف في كلام العرب وفي لغتها التي نزل بها القرآن، وهو معنى مشهور معروف. " هبت ريحك فاغتنم " أي : دالت دولتك وجاء الوقت الذي أنت تتمكن فيه. هذا معنى معروف في كلام العرب، وعلى هذا المعنى وتذهب ريحكم أي : تنعدم دولتكم وتضيع، ويصير الأمر إلى غيركم، وهذا المعنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر :
يا صاحبي ألا لا حي بالوادي *** إلا عبيدا قعودا بين أذواد
أتنظران قليلا ريث غفلتهم *** أم تعدوان فإن الريح للعادي
فقوله : " إن الريح للعادي " أن الدولة والظفر للذي يعدو فينهب فيأخذ، هذا معنى قوله. وهذا معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الآخر ١ :
إذا هبت رياحك فاغتنمها *** فإن لكل عاصفة سكون
قال بعضهم :( إن ) هنا اسمها ضمير الشأن، والمبتدأ وخبره خبرها، ومعنى :( هبت رياحك ) أي : دالت دولتك فاغتنم الفرصة ( فإن لكل عاصفة سكون ) أي : لكل دولة تول ودبور، هكذا قاله بعض العلماء. وهذا معنى قوله : وتذهب ريحكم .
ولا تنزعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصبرين هذه وصايا سماوية، وتعاليم من رب العالمين عظيمة، من أخذ بها ظفر، ومن تركها فشل وذهبت ريحه لا شك.
وقوله : واصبروا الصبر في لغة العرب معناه : حبس النفس ٢. تقول العرب : فلان صبر نفسه. أي : حبسها على المكروه، وشجعها على الشيء الصعب، هذا معنى الصبر في لغة العرب، ومادته تتعدى وتلزم، تقول العرب : صبر فلان فهو صابر أي : كان متصفا بالصبر، وصبر نفسه أي : حبسها على المكروه. متعديا للمفعول. ومن أمثلة تعديه للمفعول قوله تعالى : واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم الآية [ الكهف : الآية ٢٨ ]. وقول عنترة، أو غيره :
فصبرت عارفة بذلك حرة *** ترسو إذا نفس الجبان تطلع
يعني : حبست نفسا عارفة بذلك على القتال. هذا أصل معنى الصبر.
والصبر في الشرع يتناول أمورا كثيرة منها : الصبر تحت ظلال السيوف، لأن الجنة تحت ظلال السيوف. واصبروا أي : ويتناول ذلك الصبر صبركم تحت ظلال السيوف في الميدان، يتناول الصبر أيضا : الصبر عن معصية الله وإن اشتعلت نار الشهوات، والصبر على طاعة الله وإن كنت كالقابض على الجمر. يتناول الصبر على هذا كله، والصبر على المصائب عند الصدمة الأولى. وهذا معنى قوله :{
٢ مضى عند تفسير الآية (٤٥) من سورة البقرة..
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير