ويقول الحق بعد ذلك :
يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ( ٦ ) .
و " يجادلونك في الحق "، أي يجادلونك في مسألة الخروج لملاقاة النفير، بعد ما تبين لهم الوعد الحق من الله عز وجل وهو وعده سبحانه وتعالى بأن تكون لهم إحدى الطائفتين، وهما طائفة العير أو النفير الضخم الذي جمعته قريش لملاقاتهم. ومادام الحق قد وعدكم إحدى الطائفتين، فلماذا لا تأخذون الوعد في أقوى الطوائف ؟ لماذا تريدون الوعد في أضعف الطوائف ؟ ! القد وعدكم الحق سبحانه وتعالى أن إحدى الطائفتين ستكون لكم، فكان المنطق والعقل يؤكدان أنه مادام قد وعدنا الله عز وجل إحدى الطائفتين، فلنقدم إلى الأنفع للإسلام والحق الذي نحارب من أجله، وأن نواجه الطائفة ذات القوة والشوكة والمنعة ؛ لأنه قد يكون من الصحيح أن النصر مؤكد على طائفة العير، لكن هذا النصر سيبقى من بعد ذلك مجرد نصر يقال عنه ! إنه نصر لقطاع طريق، لا أهل قضية إيمان ودين.
ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى :
وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ ( ٧ ) ( سورة الأنفال ).
فالمنطق إذن يفرض أن الله عز وجل مادام قد وعد رسوله صلى الله عليه وسلم بإحدى الطائفتين، طائفة في عير والأخرى في نفير، كان المنطق يفرض إقبال المؤمنين على مواجهة الطائفة القوية ؛ لأن النصر على النفير هو أشرف من النصر على طائفة العير. يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون .
ونلحظ أن هناك " سوق "، وهناك " قيادة "، والقيادة تعني أن تكون من الأمام لتدل الناس على الطريق، و " السوْق " يكون من الخلف لتحث المتقدم أن يقصر المسافة مع تقصير الزمن، فبدلا من أن نقطع المسافة في ساعة – على سبيل المثال-فنقطعها في نصف ساعة.
وقوله تعالى : يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ( من الآية ٦ من سورة الأنفال ) أي أنهم غير منجزين للسير، بل هم مدفوعون إليه دفعا، وهم ينظرون بشاعة الموت، لأنهم تصوروا أن مواجهتهم لألف فتى من مقاتلي قريش مسألة صعبة، فألف أمام ثلاثمائة مسألة ليست هينة، لأن ذلك سيفرض على كل مسلم أن يواجه ثلاثة معهم العدة والعتاد، فكأن الصورة التي تمثلت لهم صورة بشعة، لكنهم حينما نظروا هذه النظرة لم يلتفتوا إلى أن معهم ربّا ينصرهم على هؤلاء جميعا.
تفسير الشعراوي
الشعراوي