روى ابن ابى حاتم وابن مردوية عن ابى أيوب الأنصاري رضى الله عنه قال لما سرنا يوما او يومين قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم ما ترون في قتال القوم فانهم قد أخبروا بمخرجكم فقلنا والله ما لنا طاقة بقتال القوم ولكن أردنا العير ثم قال ما ترون في قتال القوم فقلنا مثل ذلك-.
يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ في ايثارك الجهاد إظهارا للحق لايثارهم تلقى العير عليه وجدا لهم قولهم ما لنا طاقة لقتال القوم ولكنا أردنا العير بَعْدَ ما تَبَيَّنَ لهم باعلام رسول الله صلى الله عليه وسلّم انهم ينصرون وذلك انه نزل جبرئيل عليه السلام حين كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم بالروحاء وقال ان الله وعدكم احدى الطائفتين اما العير واما قريش كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ متعلق بقوله كارهون...
يعنى يكرهون القتالى كراهة من يساق الى الموت وهو يشاهد أسبابه وذلك بقلة عددهم وعدم تاهبهم وقال ابن زيد هولاء المشركون جادلوه في الحق كانما يساقون الى الموت وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ متعلق بمحذوف يعنى اذكر إذ يعدكم الله إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ اما العير واما قريش وهذا ثانى مفعولى يعدكم وقد أبدل عنها أَنَّها لَكُمْ بدل الاشتمال وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ اى الشدة والقوة والحدة مستعاد من الشوك يعنى العير تَكُونُ لَكُمْ لكثرة المال وعدم القتال روى ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضى الله عنهما قال كان الله تعالى وعدهم احدى الطائفتين وكانوا ان يلقوا العير أحب إليهم لكونهم أيسر شوكة فلما سبقت العير وفاتت رسول الله صلى الله عليه وسلّم سار رسول الله ﷺ بالمسلمين يريد القوم فكره القوم مسيرهم لكثرة القوم وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ اى يظهره ويعليه بِكَلِماتِهِ للوحى بها في هذه الحال يعنى يأمره إياكم بالقتال او باوامره للملئكة بالامداد وقيل بمواعدة التي سبقت من اظهار الدين وإعزازه وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (٧) اى يستاصلهم حتى لا يبقى أحد من كفار العرب الا يقتل او يسلم يعنى انكم تريدون ان تصيبوا مالا ولا تلقوا مكروها والله يريد إعلاء الدين واظهار الحق وما يحصل لكم فوز الدارين.
لِيُحِقَّ الْحَقَّ متعلق
بيقطع او بمحذوف تقديره فعل ما فعل ليثبت الإسلام وَيُبْطِلَ الْباطِلَ يعنى الكفر وليس في الكلام تكرير فان الاول لبيان المراد وبيان ما بين مراده تعالى ومرادهم من التفاوت والثاني لبيان الداعي الى حمل الرسول الى اختيار ذات الشوكة ونصرة عليها وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨) يعنى المشركين ذلك رجعنا الى القصة ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلّم من ذفران فسلك ثنايا يقال له الاصافر «١» ثم الخط منها الى بلد يقال له الدية وترك الجنان عن يمين وهو كثيب عظيم كالجبل العظيم ثم نزل قريبا من بدر فركب هو وابو بكر الصديق رض حتى وقف على شيخ من العرب فسأله عن قريش وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم قال الشيخ بلغني ان محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا فانكان الذي أخبرني صدقنى فهم اليوم بمكان كذا للمكان الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلّم وبلغني ان قريشا خرجوا يوم كذا فانكان الذي أخبرني صدق فهم اليوم في مكان كذا للمكان الذي فيه قريش ثم قال من أنتما قال رسول الله ﷺ نحن «٢» من ماء قال ابن إسحاق ثم رجع رسول الله ﷺ الى أصحابه فلما امسى بعث على ابن ابى طالب والزبير بن العوام وسعد بن ابى وقاص في نفر من أصحابه الى ماء بدر يلتمسون الخبر له فاصابوا راوية لقريش فيها اسلم غلام بنى الحجاج وابو يسار غلام بنى العاصي بن سعيد فاتوا بهما فسألوهما ورسول الله صلى الله عليه وسلّم قايم يصلى فقالا نحن سقاط قريش بعثونا نسقيهم من الماء فكره القوم خبرهما ورجوا ان يكونا لابى سفيان فضربوهما فلما إذ «٣» لقوهما قالا نحن لابى سفيان فتركوهما وركع رسول الله صلى الله عليه وسلّم وسجد سجدتين وسلم وقال إذا صدقاكم ضربتموهما وإذا كذباكم تركتموهما صدقا والله انهما لقريش اخبر انى عن قريش قالاهم وراء هذا الكثيب الذي يرى بالعدوة «٤» القصوى والكثيب العقنقل فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلّم كم القوم قالا كثير قال ما عدتهم قالا لا ندرى قال كم ينحرون كل يوم قالا يوما تسعا ويوما عشرا قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم ما بين التسعمائة والالف ثم قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلّم
(٢) قاله توريه أراد من ماء دافق وأوهمه انه من ماء ١٢
(٣) إذا لقوهما يعنى بالغوا في ضربهما ١٢
(٤) العدوة الجانب المرتفع من الوادي ١٢ عه البعيد ١٢
من فيهم من الاشراف قالا عتبة وشيبة ابني ربيعة وابو البختري بن هشام وحكيم بن حزام ونوفل ابن خويلد والحارث بن عامر وطعيمة بن عدى والنضر بن الحارث وربيعة الأسود وابو جهل بن هشام وامية بن خلف ونبيه ومنهه ابنا الحجاج وسهل بن عمرو وعمرو بن عبد ود فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم هذه مكة قد القت إليكم أفلاذ «١» كبدها قال ابن عابد وكان مسيرهم وإقامتهم حتى بلغوا الجحفة عشر ليال وكان بسيس بن عمرو وعدى بن ابى الزغباء قد مضيا الى بدر فاناخا الى تل قريب من الماء ثم أخذ اشنانهما «٢» يستقيان فيه ومجدى بن عمر الجهني على الماء فسمع عدى وبسبس جاريتين من جوار الحاضر «٣» يتلازمان على الماء والملزومة تقول بصاحبتها انما يأتي العير غدا او بعد غد فاعمل لهم ثم أعطيك الذي لك قال مجدى صدقت وسمع ذلك عدى وبسبس فجلسا على بعيرهما ثم انطلقا حتى أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلّم فاخبراه بما سمعا قال ابن إسحاق وغيره واقبل ابو سفيان بالعير وقد خاف خوفا شديدا حين دنوا المدينة واستبطأ ضمضم بن عمرو النضير حتى ورد بدرا وهو خائف وتقدم ابو سفيان امام العير حذرا حتى ورد الماء فرأى مجدى بن عمرو الجهني فقال له هل أحسست أحدا قال ما رايت أحدا أنكره الا انى رايت راكبين يعنى بسبسا وعديا قد أناخا الى هذا التل ثم استقيا في شن لهما ثم انطلقا فأتى ابو سفيان الى مناخنهما فأخذ من ابعار بعيرهما ففته فاذا فيه النوى فقال هذه والله علائف يثرب فرجع الى أصحابه سريعا فضرب وجه عيره عن الطريق فساحل «٤» بها وترك بدرا بيسار وانطلق واسرع فسار ليلا ونهارا فرقا من الطلب فلما رأى ابو سفيان انه قد احرز عيره أرسل الى قريش قيس بن أمراء القيس انما خرجتم لتمتنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم وقد نجاها الله تعالى فارجعوا فاتاهم الخبر وهم بالجحفة فقال ابو جهل والله لا نرجع حتى نرد بدرا وكان بدرا موسما من مواسم العرب يجتمع لهم به سوق كل عام فنقيم عليه ثلثا فننحر الجزور ونطعم الطعام ونسقى الخمر وتعزف «٥» علينا القينات ويسمع بنا العرب وبمسيرنا فلا يزالون يهابوننا ابدا بعدها وكره
(٢) الشن القربة ١٢ [.....]
(٣) الحاضر القوم النزول على ماء يقيمون عليه ولا يرحلون ١٢
(٤) فساحل يعنى سلك طريق ساحل البحر ١٢
(٥) تعزف يعنى تلعب بالمعازف اى الملاهي ١٢
اهل الرأي المسير ومشى بعضهم الى بعض وكان ممن ابطاهم عن ذلك الحارث بن عامر وامية بن خلف وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وحكيم ابن حزام وابو البختري وعلى بن امية بن خلف وابو العاصي حتى بكتهم «١» ابو جهل بالجبن وأعانه عقبة بن ابى معيط والنضر بن الحارث والجارث بن كلدة واجمعوا على المسير قال الأخنس بن شريف وكان حليف بنى زهرة يا بنى زهرة قد نجا الله أموالكم وخلص لكم صاحبكم محزمة بن نوفل وانما نفرتم لتمنعوه وماله فارجعوا الى مكة وكانوا نحو مائة ويقال ثلاثمائة فلم يشهدها زهرى الا رجلين هما عما مسلم بن شهاب الزهري وقتلا كافرين قال ابن سعد ولحق قيس بن امرأ القيس أبا سفيان فاخبره بمجى قريش فقال وا قوماه هذا عمل عمرو بن هشام يعنى أبا جهل واغتبطت بنو زهرة بعد براى الأخنس فلم يزل فيهم مطاعا معظما وأرادت بنو هاشم الرجوع فاشتد عليهم ابو جهل وقال لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع ومضت قريش حتى نزلت بالعدوة القصوى من الوادي خلف العقنقل «٢» وبطن الوادي ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلّم بالعدوة الدنيا وغلب المشركون المسلمين في أول أمرهم على الماء فظمىء المسلمون وأصابهم ضيق شديد والقى الشيطان في قلوبهم الغيظ فوسوس إليهم تزعمون انكم اولياء الله وفيكم رسوله وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم مصلون مجنبين فانزل الله تعالى تلك الليلة المطر وكان على المشركين وابلا شديدا منعهم من التقدم وكان على المسلمين طلا طهرهم الله تعالى به واذهب عنهم لو جز الشيطان وطابهم «٣» الأرض وصلب الرمل وثبت الاقدام ومهدبه المنزل وربط «٤» به على قلوبهم ولم يمنعهم عن المسير وسأل الوادي فشرب المؤمنون وملاؤا الاسقية وسقوا الركاب واغتسلوا من الجنابة وأصاب المسلمين تلك الليلة نعاس القى عليهم فناموا حتى ان أحدهم وقفه بين يديه وما يشعر حتى يقع على جنبه روى ابو يعلى والبيهقي في الدلائل عن على قال ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد ولقد رايتنا وما فينا الا نائم الا رسول الله صلى الله عليه وسلّم
(٢) العقنقل الكثيب العظيم المتداخل الرمل ١٢
(٣) طابه الأرض مهدا ١٢
(٤) ربط على القلب قواه ١٢-
يصلى «١» تحت شجرة حتى أصبح وكانت ليلة الجمعة وبين الفريقين فوز «٢» من الرمل وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلّم عمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود فاطافا بالقوم ورجعا فاخبر ان القوم مذعورون وان السماء تسيح عليهم وساد رسول الله صلى الله عليه وسلّم عشاء يبادرهم الماء فسبقهم اليه ومنعهم من السبق اليه المطر حتى جاء ادنى ماء من بدر فنزل به فقال الحباب ابن المنذر بن الجموح فيما رواه ابن إسحاق يا رسول الله ارايت هذا لمنزل أمنزل نزلكه الله ليس لنا ان نتقدمه ولا نتاخر عنه أم هو الرأي والمكيدة قال بل الرأي والحرب والمكيدة قال يا رسول الله ليس هذا بمنزل فانهض بالناس حتى تأتي ادنى ماء من القوم فتنزله ثم نغور «٣» ما وراه من القليب ثم نبنى عليه حوضا فنملاه ماء فنشرب ولا يشربون فقال صلى الله عليه وسلّم لقد أشرت بالرأى وذكر ابن سعد ان جبرئيل نزل على النبي صلى الله عليه وسلّم فقال الرأي ما أشار به الحباب فنهض صلى الله عليه وسلّم ومن معه من الناس حتى إذا اتى ادنى ماء من القوم نزل عليه نصف الليل ثم امر بالقليب فغورت وبنى حوضا على القليب الذي نزل عليه فملى ماءا ثم قذفوا فيه الآنية فقال سعد بن معاذ يا رسول الله الا نبنى لك عريشا «٤» تكون فيه ونعد عندك ركائيك ثم نلقى عدونا فان أظهرنا الله على عدونا كان ذلك ما أحبنا وانكانت الاخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن ورأينا فقد تخلف عنك أقوام يا نبى الله ما نحن أشد لك حيا منهم ولو ظنو انك تلقى حربا ما تخلفوا عنك يمنعك الله عز وجل بهم يناصحونك ويجاهدون معك فأثنى رسول الله صلى الله عليه وسلّم خيرا ودعا له ثم بنى لرسول الله صلى الله عليه وسلّم عريشا على تل مشرف على المعركة فكان فيه هو وابو بكر وليس معهما غيرهما وقام سعد ابن معاذ على بابه متوشحا بالسيف ومشى رسول الله صلى الله عليه وسلّم في موضع المعركة وجعل يشير بيده هذا مصرع فلان هذا مصرع فلان إنشاء الله فما تعدى منهم أحد موضع إشارته رواه احمد ومسلم وغيرهما وروى الطبراني عن رافع بن خديج
(٢) الفوز العالي في الرمل كانة جبل ١٢
(٣) نغور من رواية بغين معجمة فمعناة ندهنه وندفنه ومن رواه بالمهملة فمعناه فقد ١٢
(٤) العريش شبهه الخيمة يستظل به ١٢
ان رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال يوم بدر والذي نفسى بيده لو ان مولود اولد من اهل الدين يعمل بطاعة الله كلها الى ان يرد الى أرذل العمر لم يبلغ أحدكم هذه الليلة وقال ان الملئكة الذين شهدوا بدرا في السماء لفضلاء على من تخلف منهم رجاله ثقات الا جعفر بن معلاص فانه غير معروف وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلّم ببدر وارتحلت قريش بحدها وحديدها تحاد «١» الله عز وجل وتحاد رسوله وجاؤا على حرد «٢» قادرين وعلى حمية وغضب وحنق على رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأصحابه لما يريدون من أخذ عيرهم وقتل من فيها وقد أصابوا بالأمس عمرو بن الحضرمي والعير التي كانت معه وذلك ما ذكرنا قصته في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه فلما راها رسول الله ﷺ تصوب من العقنقل وهو الكثيب الذي جاؤا منه الى الوادي وكان أول من طلع زمعة بن الأسود على فرس له يتبعه ابنه فاستجال «٣» بفرسه يريد ان يتبوأ «٤» للقوم منزلا فقال ﷺ هذه قريش قد أقبلت بخيلائها «٥» وفخرها تجادل وتكذب رسولك اللهم فنصرك الذي وعدتني اللهم أمتهم بالغداة ولما راى صلى الله عليه وسلّم عتبة بن ربيعة على جمل احمر قال ان بك في أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر ان يطيعوه يرشدوا فقال هو عتبة ينهى عن القتال ويأمر بالرجوع ويقول يا قوم اعصبوها «٦» اليوم برأسي وقولوا جبن عتبة وابو جهل يأبى وبعث خفاف بن أيما بن رحضة الغفاري او أبوه واسلم الثلاثة بعد ذلك الى قريش بجزائر أهداها لهم مع ابنه وقال ان احببتم ان نمدكم بسلاح ورجال فعلنا فارسلوا اليه ان وصلتك زحم قد قضيت الذي عليك فلعمرى لئن كنا انما نقاتل الناس ما بنا من ضعف عنهم ولئن كنا نقاتل الله كما يزعم محمد ما لاحد بالله من طاقة فلما نزل الناس اقبل نفر من قريش حتى وردوا حوض رسول الله صلى الله عليه وسلّم منهم حكيم بن حزام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم دعوهم
(٢) استحال اى طاف به غير مستقر ١٢
(٣) الحرد الغضب ١٢ [.....]
(٤) ينبؤا منزلا اى يتخذه ١٢
(٥) بالخيلاء التكبر والاعجاب ١٢
(٦) اعصبوها اجعلوا عارها متعلقا بي ١٢
فما شرب منهم أحد الا قتل الا ما كان من حكيم بن حزام فآنه لم يقتل واسلم بعد ذلك وحسن إسلامه فكان إذا اجتهد في يمينه قال لا والذي نجانى يوم بدر فلما اطمأن القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحي واسلم بعد ذلك فقالوا له احرز لنا اصحاب محمد فجال بفرسه حول العسكر ثم رجع إليهم فقال ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا او ينقصون لكن أمهلوني حتى انظر للقوم كمين «١» مدد فضرب «٢» فى الوادي حتى ابعد فلم يرشيئا فرجع إليهم فقال ما رأيت شيئا ولكن رأيت يا معشر قريش البلا «٣» يا تحمل المنايا نواضح «٤» يثرب تحمل الناقع «٥» قوم ليس لهم منعة ولا ملجاء الا سيوفهم اما ترونهم حرسا يتكلمون يتلمظون «٦» تلمظ الأفاعي والله ما ارى ان يقتل رجل منهم حتى يقتل منكم فاذا أصابوا منكم اعدادهم فما في العيش خير بعد ذلك فرأو آرائكم فبعثوا أبا سلمة الحشمى فاطاف بالمسلمين على فرسه ثم رجع فقال والله ما رأيت جلدا ولا عدوا ولا حلقة ولا كراعا ولكن رأيتهم قوما لا يرونهم يولوا الى أهليهم قوما مسلمين مستميتين ليست لهم منعة ولا ملجاء الا سيوفهم زرق الأعين كانهم الحصا تحت الحجف فرأو آرائكم فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس فاتى عتبة بن ربيعة فكلمه يرجع بالناس وقال يا أبا الوليد انك كبير قريش وسيدها والمطاع فيها هل لك من الأمر لا تزال تذكر منه يخبر الى اخر الدهر قال وما ذاك يا حكيم قال ترجع بالناس وتحتمل امر حليفك عمرو الحضرمي قال قد فعلت أنت على بذلك انما هو حليفى فعليّ عقله «٧» وما أصيب من ماله فأت ابن حنظلة فابى لا أخشى ان يسحر امر الناس غيره يعنى أبا جهل ثم قال عتبة خطيبا في الناس فقال يا معشر قريش انكم والله ما تضعون فان تلقوا محمدا وأصحابه شيئا والله لئن أصبحتموه لا يزال الرجل في وجه رجل يكره النظر اليه قتل ابن عمه او ابن خاله او رجلا من عشيرته فارجعوا وخلوا بين محمد وسائر العرب فان أصابوه فذلك الذي أردتم وان كان غير ذلك القاكم «٨» ولم تعرضوه منه بما تريدون انى
(٢) ضرب في الوادي سار فيه ١٢
(٣) البلايا جمع بلية وهى الفاقة والداية تخف بيدها حضرة ويشد راسها الى خلفها وتبلى اى تترك على قبر الميت فلا تعلف ولا تسقى حتى تموت وكان بعض العرب ممن يقر بالبعث يزعم ان صاحبها يحشر عليها راكبا وإذا لم يفعل بها ذلك يحشر ما شيئا ١٢-
(٤) الناضح الإبل تسقى عليها الماء ١٢
(٥) الناقع البالع ويقال الثابت ١٢
(٦) التلمظ إدارة اللسان في القم تتبع اثر ما كان
(٧) عقل الدية ١٢
(٨) القاكم اوحدكم ١٢-
ارى أقواما مستميتين لا تصلون إليهم وفيكم خير يا قوم اعصبوها اليوم برأسي وقولوا جبن عتبة وأنتم تعلمون انى لست بأجبنكم فانطلقت حتى أتيت أبا جهل فوجدته قد نتل «١» درعا له من جرامها فهو يهيئها فقلت له يا أبا الحكم ان عتبة قد أرسلني لكذا وكذا اللذى قال فقال انتفخ «٢» والله سجره حين رأى محمد او أصحابه كلا والله لا يرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد وما بعتبة ما قال ولكنه قد رأى ان محمدا وأصحابه أكلته جزور فيكم ابنه قد تخوفكم عليه ثم بعث الى عامر الخضرمي فقال والله هذا حليفك عتبة يريد ان يرجع بالناس فقم فانشد «٣» حفرتك ومقتل أخيك فقام عامر بن الخضرمي فكشف عن استه ثم صرخ وا عمراه فحميت الحرب واحقب «٤» امر الناس واستو «٥» سقوا على ما هم عليه من الشر وأفسد على الناس الرأي الذي دعاهم اليه عتبة ولما بلغ عتبة قول ابى جهل انتفخ والله سجره قال سيعلم مصفر استه من انتفخ سجره انا أم هو ثم التمس عتبة بيضة ليدخلها في راسه فما وجد في الجيش تسعة من عظم هامته فلما رأى ذلك اعتجر ببرد على راسه وسل ابو جهل سيفه فضرب متن فرسه فقال له أيما بن رحضة بئس الفال هذا وذكر محمد بن عمر الأسلمي والبلاذري وصاحب الامتناع ان قريشا لما نزلت بعث رسول الله صلى الله عليه وسلّم عمر بن الخطاب إليهم يقول لهم ارجعوا فانه ان يلى هذا الأمر منى غيركم أحب الى من ان تلوه بنى فقال حكيم بن حرام قد عرض نصحا فاقبلوه فو الله لا تنصرون عليه بعد ما عرض من النصف «٦» فقال ابو جهل والله لا نرجع بعد ما أمكننا الله منهم روى ابن المنذر وابن ابى حاتم عن ابن جريج ان أبا جهل قال يوم بدر خذوهم أخذا واربطوهم في الجبال ولا تقتلوا منهم أحدا فنزل انا بلوناهم كما بلونا اصحاب الجنة الاية في سورة ن يعنى انهم في قدرتهم عليهم كما اقتدر اصحاب الجنة على الجنة ولما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلّم صف أصحابه فكانما يقوم بهم القداح «٧» ومعه يومئذ قدح يشير الى هذا تقدم والى هذا تأخر
(٢) كلمة يقال للجبان الشدة والقوة
(٣) اى اطلب في قريش الوفاء بخفرهم لك اى عندهم وكان حليفا لهم ١٢ [.....]
(٤) اى اشتد ١٢
(٥) بسينين مهملتين اى اجتمعوا واستقر رأيهم ١٢
(٦) النصف العدل ١٢
(٧) القداح خرد أسهم بلا فصل وريش ١٢
حتى استووا ودفع رايته الى مصعب بن عمير فتقدم حيث امره رسول الله صلى الله عليه وسلّم ان يضعها ووقف رسول الله صلى الله عليه وسلّم ينظر الى الصفوف فاستقبل المغرب وجعل الشمس خلفه واقبل المشركون فاستقبلوا الشمس ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلّم بالعدوة الشامية ونزلوا بالعدوة اليمانية ولما عدل رسول الله صلى الله عليه وسلّم الصفوف تقدم سواد بن غزية امام الصف فدفع رسول الله صلى الله عليه وسلّم في بطنه وقال استويا سواد قال يا رسول الله أوجعتني والذي بعثك بالحق نبيا أقدني فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن بطنه قال استقد فاعتنقه وقبله فقال ما حملك على ما ضعت قال حضر من امر الله ما قد ترى وخشيت ان اقتل فاردت ان أكون اخر عهدى بك وحينئذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم إذا كثبوكم فارموهم ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم كذا روى ابو داود عن ابى أسيد وخطب رسول الله صلى الله عليه وسلّم فحمد الله واثنى عليه واحث الناس على الصبر في القتال وابتغاء وجه الله وتعتبب قريش للقتال والشيطان لا يفارقهم فثبت المسلمون على صفهم وشد عليهم عامر بن الحضرمي فكان أول من خرج من المسلمين مهيجع بن عايش مولى عمر بن الخطاب فقتله ابن الحضرمي وكان أول قتيل من الأنصار حارثة بن سراقة قتله حيان بن عرفة وخرج عتبة بن ربيعة بن أخيه شيبة وابنه الوليد ودعوا لى المبارزة فخرج ثلثة من الأنصار عوذ ومعوذا بنا الحارث وأمها العفراء وعبد الله بن رواحة فقالوا اكفاء كرام ما لنا بكم حاجة ثم نادوا يا محمد اخرج إلينا أكفاءنا من قومنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم قم يا عبيدة بن الحارث قم يا حمزة قم يا على فاما حمزة فلم يمهل شيبة ان قتله واما على فلم يمهل الوليد ان قتله واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين كلاهما اثبت صاحبه فكر حمزة وعلى بأسيافهما على عتبة فذففا عليه واحتملا صاحبه وفي الصحيحين ان فيهم نزلت هذان خصمان اختصموا في ربهم في سورة الحج قال ابن إسحاق ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلّم الى العريش ومعه ابو بكر وليس معه غيره ورسول الله صلى الله عليه وسلّم يناشدد به عز وجل ما وعده من النصر يقول فيما يقول اللهم ان تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد في الأرض
صفحة رقم 26التفسير المظهري
القاضي مولوي محمد ثناء الله الهندي الفاني فتي النقشبندى الحنفي العثماني المظهري
غلام نبي تونسي