هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين ( ٦٢ ) وألف بين قلوبهم [ الأنفال : الآيتان ٦٢، ٦٣ ] قال بعض العلماء : وألف بين قلوبهم يعني : الأنصار. وقال بعض العلماء : هي أعم من الأنصار ؛ لأن العرب الذين هم أول من دخل في دينه صلى الله عليه وسلم كانوا أمة بينها ضغائن وحروب ومقاتلات لا تكاد تجتمع على رجل واحد، فجمع الله شتاتها ولم شعثها وألف قلوبها على الإيمان. وأكثر المفسرين على أن المراد بهم الأنصار ١، كانوا في العداوات الشديدة، ومكثوا سنين كثيرة في حروب دامية، واستحكمت بينهم العداوات والإحن والأضغان، فألف الله بين قلوبهم بنبيه صلى الله عليه وسلم كما قال هنا : وألف بين قلوبهم التأليف في لغة العرب معناه : الجمع. أي : جمع بين قلوبهم فصارت على قلب رجل واحد، نيتها إعلاء كلمة الله، ونصر دينه، ونصر نبيه، ومحبة كل للآخر بعد أن كانت قلوبهم غير مجتمعة ولا متألفة، بل هذا يريد قتل هذا، وهذا يريد قتل هذا، بقلوب شتى لا تتألف ؛ ولذا قال : لو أنفقت ما في الأرض جميعا يعني : لو صرفت ما في الأرض جميعا لتؤلف بين قلوبهم ما أمكن ذلك أبدا. ومن أعظم الأسباب الدنيوية لكل شيء : المال، فإنه يؤلف القلوب ويزيل العداوة. يعني : لو أنفق جميع ما في الأرض ما قدرت على أن توفق بين قلوبهم ولا أن توحدها، ولكن الله العظيم بقدرته وجلاله ألف بين قلوبهم ؛ لأنه تعالى وحده هو الذي يملك القلوب ويصرفها كيف يشاء، إذ كل إنسان قلبه بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء، كما قدمنا بسطه في تفسير قوله : واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه الآية [ الأنفال : الآية ٢٤ ]. الذي بيده القلوب يصرفها كيف يشاء. ويقلبها كيف يشاء هو وحده الذي يقدر على تأليف قلوبهم، وجمع كلمتهم، ولم شعثهم، وإزالة ما كان بينهم كما تقدم في قوله : واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخونا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها [ آل عمران : الآية ١٠٣ ] وهذا معنى قوله : لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم [ الأنفال : الآية ٦٣ ].
وقد قدمنا مرارا أن العزيز هو الغالب الذي لا يغلبه شيء، والعزة : الغلبة ولله العزة ولرسوله [ المنافقون : الآية ٨ ] أي : ولله الغلبة وعزني في الخطاب [ ص : الآية ٢٣ ] غلبني في الخصام. ومن كلام العرب :( من عز بز ) ٢ يعنون : من غلب استلب، وقد نظمته الخنساء السلمية الشاعرة في قولها ٣ :
كأن لم يكونوا حمى يختشى *** إذ الناس من عز بزا
أي : من غلب استلب. والحكيم : هو الذي يضع الأمور في مواضعها ويوقعها في مواقعها ٤. فاقتضت عزته وغلبته أن يقهر أعداءك، وأن لا يضروك بخداعهم ونيتهم المكر والخداع ؛ لأن ربك غالب قاهر لا يغلبه شيء، واقتضت حكمته أن يؤلف بين قلوب أنصارك الذين نصروك، ويوحد كلمتهم، ويجعلهم كرجل واحد، هذا اقتضته عزته وحكمته، وإن كانت حكمته تقتضي العدل الكامل، وكمال التمام في كل ما يدبره في شرعه وقدره وغير ذلك. وعزته تقتضي أنه غالب لكل شيء، ويدخل في ذلك قهره للكفار الجانحين للسلم الذين يريدون بذلك الخداع، ويدخل في حكمته جمعه بين قلوب أصحابك ليجتمعوا على نصرة دين الله وإعلاء كلمته. وهذا معنى قوله : إنه عزيز حكيم [ الأنفال : الآية ٦٣ ].
٢ مضى عند تفسير الآية (٩٦) من سورة الأنعام..
٣ السابق..
٤ مضى عند تفسير الآية (٨٣) من سورة الأنعام..
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير