ﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴ

ويقول سبحانه وتعالى بعد ذلك :
وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( ٦٣ ) :
والتأييد هنا عناصره ثلاثة : الله يؤيد بنصره، والله يؤيد بالمؤمنين، والله يؤلف بين قلوب المؤمنين. والتأليف بين القلوب جاء لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل لقوم لهم عصبية وحمية، وهم قبائل متفرقة تقوم الحروب بينهم لأتفه الأسباب ؛ لأن عناصر التنافر موجودة بينهم أكثر من عناصر الائتلاف.
إن القبيلة مجتمعة تهب للدفاع عن أي فرد فيها مهما كانت الأسباب والظروف، حتى إنه ليكفي أن يسب واحد من الأوس مثلا واحدا من الخزرج لتقوم الحرب بين القبيلتين، ولو أن القلوب ظلت على تنافرها لما استطاعت هذه القبائل أن تواجه أعداء الإسلام، ولشغلتها حروبها الداخلية عن نصرة الدين والدفاع عنه ومواجهة الكفار. ولكن الله ألف بينهم، وبعد أن كانوا أعداء أصبحوا أحبابا. وبعد أن كانوا متنافرين أصبحوا متوادين.
وهكذا ألف الله بين قلوب المسلمين بحيث أصبح الإسلام في قلوبهم وأعمالهم وأسلوب حياتهم هو أقوى رابطة تربط بينهم. فأصبحت أخوة الدين أقوى من أخوة النسب. وحين تتآلف القلوب ؛ فهذا أقوى رباط ؛ لأن كل عمل يقوم به الإنسان إنما ينشأ عن عقيدة في القلب.
إن القلب هو مصدر النية التي يتبعها السلوك، فالذي يحرك إنسانا مَوْتورا منك ويثير جوارحه ضدك، إنما هو القلب، فإن وجدت إنسانا يعبس في وجهك فافهم أن في قلبه شيئا، وإن لقيته وحاول أن يضربك فافهم أن في قلبه شيئا أكبر، وإن حاول أن يقتلك، يكون في قلبه شعور أعمق بالبغض والكراهية.
إذن فالينبوع لكل المشاعر هو القلب. ولذلك نرى الإنسان يُضحي بكل شيء وربما ضحَّى بحريته في سبيل ما آمن به واستقر في قلبه، ونحن نرى العلماء في معاملهم يعيشون سنوات طويلة ويحرمون أنفسهم من متع الحياة الدنيا لأن العلم قد تحول إلى عقيدة في قلوبهم سواء أكانوا مسلمين أم غير ذلك، فكأنما نية القلب وما يستقر فيها هي أقوى ما في الحياة.
ثم يبين الله سبحانه وتعالى لنا أن هذا فضل عظيم منه أن ألف بين قلوب المؤمنين ؛ فيقول :
وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( ٦٣ ) ( سورة الأنفال ).
والتأليف بين القلوب هو جماع التواد والمساندة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الذي يرويه عنه النعمان بن البشير رضي الله عنهما :( ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله )
والحديث بتمامه : " إنّ الحلال بيِّن والحرام بيِّن وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب " ١
ولن تكن المسألة في تأليف القلوب مسألة احتياج إلى مال، لأن المال لا يمكن أن يعطي الحب الحقيقي، ولذلك فهناك بين الناس ارتباط مصالح وارتباط قلوب، وارتباط المصالح ينتهي بمجرد أن تهتز أو تنتهي هذه المصالح، لكن ارتباط القلوب يتحدى كل الأزمات، وأنت لا تستطيع أن تجعل إنسانا يحبك حقيقة مهما أعطيته من مال ؛ لأن الحب الحقيقي لا يشترى ولا يباع، إنما يشترى النفاق والتظاهر وغير ذلك من المشاعر السطحية. والعرب الذين ألف الله بين قلوبهم لم يكن يهمهم المال بقدر ما تهمهم الحمية والعصبية، فغالبيتهم يملكون الثروات، ولكن الفُرقة فيما بينهم نابعة من الحمية والعصبية التي تجعل في القلوب غلا وحسدا وحقدا ؛ لذلك تنفعل جوارحهم. يقول الحق تبارك وتعالى :
وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( سورة الأنفال )، ومادام الله سبحانه وتعالى له عزة فهو لا يغلب، ومادام حكيما فهو يضع الأمور في مكانها السليم، والله سبحانه وتعالى وحده هو القادر على أن يجعل القلوب تتألف، لأن القلوب في يد الرحمن يقلبها كما يشاء، لذلك ندعو بدعاء رسول الله : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، فعن شهر بن حوشب قال : قلت لسلمة رضي الله عنها يا أم المؤمنين ما أكثر دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان عندك ؟ قالت : كان أكثر دعائه : " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ". ٢
وسبحانه وتعالى يقول : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ( من الآية ٢٤سورة الأنفال ).

١ رواه الشيخان: البخاري ومسلم..
٢ رواه الترمذي وقال حديث حسن..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير