ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛ

قال الله تعالى : إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أنى ممدكم بألف من الملائكة مردفين ٩ وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم ١٠ [ الأنفال : الآيتان ٩، ١٠ ].
إني ممدكم بألف من الملائكة مردفين [ الأنفال : الآية ٩ ] قرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة غير نافع وحده : مردفين بكسر الدال، بصيغة اسم الفاعل. وقرأه نافع من السبعة وحده : مردفين بفتح الدال بصيغة اسم المفعول.
وقوله : إذ تستغيثون قال بعض العلماء ( إذ ) منصوب ب( اذكر ) مقدرا، وقد ذكرنا أنه يكثر في القرآن نصب الظرف الذي هو ( إذ ) بلفظة ( اذكر ) كقوله : واذكر أخا عاد إذ أنذر [ الأحقاف : الآية ٢١ ] واذكروا إذ كنتم قليلا [ الأعراف : الآية ٨٦ ] واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض [ الأنفال : الآية ٢٦ ] ونحو ذلك. قال بعض العلماء :( إذ ) في قوله :
إذ تستغيثون بدل من ( إذ ) في قوله : وإذ يعدكم الله [ الأنفال : الآية ٧ ] و تستغيثون معناه : تطلبون الإغاثة من ربكم ( جل وعلا ). تقول العرب : استغاث يستغيث إذا طلب الغوث. وهذه الاسغاثة كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما ثبت في الأحاديث الصحيحة، وعليه جمهور العلماء. خلافا لمن قال : كانت من جميع الأفراد الذين شهدوا بدرا، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بني له العريش يوم بدر وجلس فيه ورأى جيش قريش متصوبين من العقنقل – كثيب بدر- فإذا عددهم كبير، وهم حول ألف مقاتل، فنظر إلى أصحابه فإذا هم قليل- ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا – قام في ذلك الوقت وتوجه إلى القبلة وهتف بربه ( جل وعلا ) واستغاث بخالقه يسأله ويدعوه، وألح في المسألة أشد إلحاح، ورداؤه على منكبه يناشد ربه ؛ ربي أنجر ما وعدتني، اللهم عهدك ووعدك، اللهم إن تهلك هذه الطائفة لن تعبد في الأرض. ويناجي ربه ويهتف به، ويلح عليه في المسألة، ويستغيث به ( جل وعلا ) حتى سقط رداؤه عن منكبه ( صلوات الله وسلامه عليه )، فجاءه أبو بكر من خلفه وجعل رداءه على منكبيه وقال :( يكفيك مناشدتك ربك، فإن ربك منجز لك ما وعودك ). هذا معنى : إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم [ الأنفال : الآية ٩ ].
وهذه الآية وأمثالها في القرآن، تؤخذ منها أسرار ينبغي لنا معاشر المسلمين أن نسير عليها، هذا سيد الخلق محمد ( صلوات الله وسلامه عليه ) لما جاءه أعظم كرب يكون كربا للأنبياء ؛ لأن الكروب إنما تعظم على الأنبياء من جهة ضياع الدين ؛ لأن الدنيا لا أهمية لهم فها. وهذه الطائفة جزم صلى الله عليه وسلم أنها لو هلكت وقتلت لانكسرت شوكة الإسلام، ولضاع الإسلام، ولم يعبد الله في أرضه، وانتشر الكفر، وظهرت قوته، وطائفة الإسلام قليلة ضعيفة ليست بذات عدد ولا عدد، وطائفة الكفر كثيرة قوية ؛ هذا أعظم كرب دهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما دهمته هذه الكروب جعل التجاءه الصادق إلى خالق السموات والأرض. ومن ذلك يعلم أن من دهمته الكروب وجاءته البلايا والزلازل أنه في ذلك الوقت إنما يكون التجاؤه كما كان التجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خالق السموات والأرض ( جل وعلا )، فعلى كل مسلم أن يفهم هذا ويعقله، ويفهم أن العبد إذا دهته الكروب، وجاءته البلايا والمحن والزلازل، أن التجاءه في ذلك الوقت يجب انصرافه إلى ما صرف إليه النبي صلى الله عليه وسلم التجاءه في ذلك الوقت، وهو الاستغاثة بخالق السموات والأرض جل وعلا.
والله قد بين لنا معاشر المسلمين أن الإنسان إذا اضطر بأن دهمته الكروب، وأحدقت به النوائب والحوادث، أن الالتجاء في ذلك الوقت من خصاص خالق السموات والأرض ( جل وعلا )، فلا يجوز صرفه لغيره كائنا من كان. وأوضح الله لنا إيضاحا شافيا في آيات كثيرة من كتابه، من أوضح تلك الآيات : آيات سورة النمل، لأنه إيضاح لا لبس فيه كهذا النهار ؛ لأن الله يقول : ءالله خير أما تشركون [ النمل : الآية ٥٩ ] وفي القراءة الأخرى : أما يشركون . ثم شرع تعالى يعدد خصائص ربوبيته التي لا حق فيها لغيره ألبتة فقال : أمن خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله الجواب : لا بل هم قوم يعدلون ثم ذكر خاصية أخرى من خصوص الربوبية فقال : أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها روسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون ٦١ الجواب : لا إله مع الله. ثم قال : وهو محل الشاهد : أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أءله مع الله [ النمل : الآيات ٦٠- ٦٢ ] الجواب : لا والله، فهذه توضيح ما وضحه رسول الله صلى الله عليه وسلم بفعله أن من ألجأته الكروب واضطرته النوائب والزلازل أنه لا إله مع الله في ذلك الوقت يرفع إليه ذلك إلا خالق السموات والأرض ؛ ولذا كان صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت الضنك، والموقف الحرج، رفع ذلك الالتجاء إلى خالقه ( جل وعلا )، وأثنى الله عليه في ذلك، وأجابه بمدد السماء ملائكة منزلين [ وهكذا شأن ]١ / الأنبياء ( صلوات الله وسلامه عليهم ) يلتجئون إليه في تلك الظروف الحرجة والأوقات الضنكة. وكان الكفار – لأن عندهم عقلا معيشيا دنيويا- إذا نزلت بهم البلايا ودهمتهم الكروب أخلصوا في ذلك الوقت الدعاء لله، وأعطوا الحق لمن له الحق، حتى إذا أنقذهم الله من ذلك رجعوا إلى كفرهم. والآيات الدالة على هذا لا تكاد تحصيها في المصحف الكريم وإذا غشيهم موج كالظلل أي : وخافوا من الموت من هيجان تلك الأمواج دعوا الله مخلصين له الدين [ لقمان : الآية ٣٢ ] فإذ ركبوا في الفلك أي : ودهمتهم الأمواج، وعاينوا الهلاك ودعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون [ العنكبوت : الآية ٦٥ ] وجرين بهم بريح وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق [ يونس : الآيتان ٢٢، ٢٣ ] وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا ٦٧ أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا ٦٨ أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا ٦٩ [ الإسراء : الآية ٦٧- ٦٩ ] والآيات بهذا المعنى لا تكاد تحصيها في المصحف، والمعروف في التاريخ أن سبب إسلام عكرمة بن أبي جهل ( رضي الله عنه ) أن النبي ( صلوات الله وسلامه عليه ) لما فتح مكة – وكان عكرمة شديد العداوة له صلى الله عليه وسلم – هرب من مكة ذاهبا إلى الحبشة، فركب في البحر الأحمر ذاهبا إلى الحبشة، فلما لججوا في البحر هاجت عليهم عواصف الريح، واضطربت عليهم الأمواج، فخافوا الهلاك وعاينوا الموت، فإذا كل من في السفينة يتناذرون ويقول بعضهم لبعض : لا تدعوا في هذا الوقت غير الله ؛ لئلا تغرقونا ؛ لأن هذه الكروب لا ينجي منها إلا الله( جل وعلا ) وحده. ففهمها عكرمة وقال : والله إن كان لا ينجي في ظلمات البحر إلا هو فلا ينجي من كربات البر إلا هو. ثم قال :( اللهم لك علي عهد إن أنجيتني من هذه لأضعن يدي في يد محمد صلى الله عليه وسلم فلأجدنه رؤوفا رحيما. وأمثال هذا في القرآن لا تحصى، فعلينا معاشر المسلمين أن نضع كل شيء في موضعه، ونمشي في نور القرآن العظيم، ونعلم أن الواحد منا إذا نزلت به البلايا ودهمته الكروب أن الالتجاء في ذلك الوقت من خصائص خالقه ( جل وعلا ) فخصوص ذلك لخالقه ( جل وعلا ) مما يرضي الله، ويرضي رسوله، ويكفل له النجاح. وهذا سيد الخلق ( صلوات الله وسلامه عليه ) صرحت هذه الآية من سورة الأنفال أنه لما دهمه هذا الكرب العظيم صدق في ذلك الالتجاء، وصرفه إلى من له الحق في ذلك، وهو خالقه ( جل وعلا ). ومن حكم ذلك أن يعلم أمته الاقتداء به في ذلك، فعلينا معاشر المسلمين محبة لنبينا وتعظيما له ورغبة في اتباع ديننا أن نفعل كما كان يفعل نبينا صلى الله عليه وسلم قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله [ آل عمران : الآية ٣١ ] من يطع الرسول فقد أطاع الله [ النساء : الآية ٨٠ ] ونصرف الحقوق لمستحقها، ولا نصرف حق خالقنا إلى بشر، ولا إلى ملك مقرب، ولا إلى مخلوق كائنا من كان ؛ لأن إعطاء حقوق الله لله مما يرضي الله ويرضي رسول الله، وهو الذي يتبع صاحبه المرسلين ( صلوات الله وسلامه عليهم ). وهذا معنى قوله : إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم الفاء سببية والإجابة مسببة عن الاستغاثة بالله. وهذا يدل على أن من استغاث بالله كانت استغاثته بالله سببا للإجابة وإزالة المكروه عنه ؛ ولأجل هذا الذي كنا نقرر لما أنزل الله مدد السماء من الملائكة علم أصحاب نبيه أن لا يعتمدوا عليهم فقال :

١ في هذا الموضع مسح في التسجيل. وما بين المعقوفين [ ] زيادة يتم بها الكلام.

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير