وقوله تعالى : إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم الآية، إشارة إلى ما قام به النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر عندما نظر إلى أصحابه في المعركة وهم قلة قليلة، ونظر إلى المشركين الذين جاؤوا بعصبة كبيرة، فاستقبل صلى الله عليه وسلم القبلة وعليه رداؤه وإزاره، ثم أخذ يقول، ( اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد في الأرض أبدا ). فما زال صلى الله عليه وسلم يستغيث ربه ويدعوه دعاء المضطر حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر وناوله رداءه فارتداه، ثم التزمه أبو بكر من ورائه. وقال : " يا نبي الله : كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك وعدك ". فلم يلبث صلى الله عليه وسلم إلا قليلا حتى أمد الله المسلمين بمدد من عنده، ونزلت السكينة في قلوب المؤمنين، وحلت البشرى وجاء النصر السريع من عند الله ؛ وبذلك تحققت الاستجابة، بعد الإنابة.
وهذا تنبيه من كتاب الله إلى أن الرجوع إلى الله واستمداد عونه ونصره في مثل هذه المواقف- مواقف الدفاع عن الإسلام والتضحية في سبيله بالنفس والنفيس- أمر لا غنى عنه في كسب المعارك لمن يريد النصر ويسعى إليه. ومن أجل ذلك سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه السنة : سنة الاستغاثة بالله والاستنصار بقوته، رجاء إمداده وإعانته، إذ لا غنى عنهما في سلم أو حرب، لقوي أو ضعيف.
وإلى هذه المعاني يشير قوله تعالى : فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين –أي متتابعين- : وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم، وما النصر إلا من عند الله، إن الله عزيز حكيم ، وقوله تعالى :
وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام، إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا، سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب وقوله تعالى :
فلم تقتلوهم، ولكن الله قتلهم، وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى، وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا أي ليعرف المؤمنين نعمته عليهم بإظهارهم على عدوهم، رغما عن كثرته وقلتهم : ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين .
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري