{ عَلِمَتْ نفسٌ ما قدَّمتْ وأخَّرَتْ أي : إذا كانت هذه الأشياء قرأ كلُّ إنسان كتابه، وجُوزي بعمله، لأنَّ المراد بها زمان واحد، مبدأه : النفخة الأولى، ومنتهاه : الفصل بين الخلائق ونشر الصُحف، لا أزمنة متعددة حسب تعددها، وإنما كررت لتهويل ما في حيّزها من الدواهي، ومعنى " ما قَدَّم وأخَّر " : ما سلف مِن عملٍ ؛ خير أو شر، من سَنّ سُنة حسنة أو سيئة يُعمل بها بعده، قاله ابن عباس وابن مسعود. وعن ابن عباس أيضاً : ما قدّم من معصية وأخّر من طاعة، وقيل : ما قدَّم من أمواله لنفسه، وما أخَّر لورثته، وقيل : ما قدَّم من فرض، وأخّر منه عن وقته، وقيل : ما قدمتْ من الأسقاط والأفراط، وأخّرت من الأولاد. والله تعالى أعلم.
الإشارة : إذا سماء المعاني انفطرت، أي : تشققت وظهرت من أصداف الأواني، وإذا نجوم على الرسوم انتثرت عند طلوع شمس العيان، وإذا بحار الأحدية فُجِّرتْ وانطبقت على الكائنات فأفنتها، وإذا القلوب الميتة بُعثت وحييت بالمعرفة، عَلِمَتْ نفسٌ ما قدّمت من المجاهدة، وما أخَّرت منها ؛ إذ بقدر المجاهدة في خرق العوائد تكون المشاهدة، وبقدر الشكر يكون الصحو، وبقدر الشُرب يكون الرّي، فعند النهاية يظهر قدر البداية، البدايات مجلاة النهايات " فمَن أشرقت بدايته، أشرقت نهايته ". وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي