أمارات القيامة والجزاء على العمل وتوبيخ الإنسان على جحود النعم
[سورة الانفطار (٨٢) : الآيات ١ الى ٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤)عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ (٨)
الإعراب:
إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ السَّماءُ فاعل لفعل مقدر يفسره انْفَطَرَتْ لأن إِذَا لا تدخل إلا على الفعل.
ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ ما: استفهامية في موضع رفع، مبتدأ، وغَرَّكَ: خبره.
فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ: ما: إما زائدة لتفخيم المعنى وتعظيمه، وفِي تتعلق ب رَكَّبَكَ أي ركّبك في أى صورة شاء، فحذف: ما، أو شرطية، وشاءَ: فعل الشرط المجزوم ب ما، ورَكَّبَكَ: جواب الشرط، وفِي حينئذ متعلقة بعامل مقدر لأن ما بعد حرف الشرط لا يعمل فيما قبله، وتقديره: كوّنك في أي صورة. ولا يكون متعلقا ب «عدلك» لأن الاستفهام لا يتعلق بما قبله.
البلاغة:
إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ، وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ سجع مرصّع.
وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ استعارة مكنية، شبّه الكواكب بجواهر متناثرة متفرقة، وحذف المشبه به، ورمز له بشيء من لوازمه، وهو الانتثار على طريق الاستعارة المكنية.
ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ استفهام يراد به التوبيخ والإنكار. صفحة رقم 97
المفردات اللغوية:
انْفَطَرَتْ انشقت. انْتَثَرَتْ تساقطت متفرقة. فُجِّرَتْ شقّقت جوانبها، فصارت بحرا واحدا. بُعْثِرَتْ قلب ترابها الذي وضع على موتاها، وبعث موتاها. عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ
جواب إِذَا وما عطف عليها، أي علمت نفس وقت حدوث هذه الأمور، وهو يوم القيامة ما قدمت من الأعمال، وما أخرت منها فلم تعمله بسبب الكسل.
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ جنس الإنسان. ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ما خدعك وأي شيء جرّأك على عصيانه، والْكَرِيمِ العلي العظيم، وذكر للمبالغة في المنع عن الاغترار. فَسَوَّاكَ جعل أعضاءك سوية سليمة معدّة لمنافعها. فَعَدَلَكَ جعلك معتدلا متناسب الخلق والأعضاء، فلا تجد تنافرا بينها ولا عيبا فيها، فليست يد أو رجل أطول من الأخرى. فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ أي ركّبك وكوّنك في أي صورة هي من أعجب الصور وأحكمها.
سبب النزول: نزول الآية (٦) :
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ: أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ.. الآية قال: نزلت في أبيّ بن خلف. وقيل: نزلت في أبي الأشدّ بن كلدة الجمحيّ، وقال ابن عباس: الإنسان هنا الوليد بن المغيرة.
وروى غالب الحنفي قال: لما قرأ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ قال: «غرّه الجهل».
التفسير والبيان:
إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ، وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ أي إذا انشقت السماء، كما قال تعالى: السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ [المزمل ٧٢/ ١٨]، وقال سبحانه: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ [الفرقان ٢٥/ ٢٥]، وقال عزّ وجلّ: فَإِذَا انْشَقَّتِ
السَّماءُ، فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ
[الرحمن ٥٥/ ٣٧]، وقال عزّ من قائل:
وَفُتِحَتِ السَّماءُ، فَكانَتْ أَبْواباً [النبأ ٧٨/ ١٩].
وإذا تساقطت الكواكب وتفرقت، وذلك بعد تشقق السماء.
وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ، وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ أي فجّر الله بعضها في بعض فصارت بحرا واحدا، ثم تسجّر أي توقد فتصير نارا تضطرم، كما قال تعالى:
وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ [التكوير ٨١/ ٦].
وإذا قلب تراب القبور، وأخرج موتاها، وصار باطنها ظاهرها.
وإذا وقعت هذه الأشياء التي هي أشراط الساعة، فهناك يحصل الحشر والنشر، وبما أن المراد من هذه الآيات بيان تخريب العالم، وفناء الدنيا، فإنه يلاحظ الترتيب، فيبدأ أولا بتخريب السماء التي هي كالسقف، ويلزم من تخريب السماء انتثار الكواكب، ثم يخرب ما على وجه الأرض التي هي كالبناء، وهو تفجير البحار، ثم تقلب الأرض ظهرا لبطن، وبطنا لظهر، وهو بعثرة القبور.
وجواب الشرط قوله تعالى:
عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ أي إذا حدثت الأمور المتقدمة، علمت كل نفس عند نشر الصحف ما قدمت من عمل خير أو شر، وما أخّرت من الأعمال بسبب التكاسل والإهمال، كما قال تعالى: يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ
[القيامة ٧٥/ ١٣].
وبما أن المراد بهذه الأمور يوم القيامة، فيكون المقصود بالآية الأخيرة في الأصح الزجر عن المعصية، والترغيب في الطاعة.
وبعد بيان تبدل نظام العالم، والإخبار عن وقوع الحشر والنشر، وبّخ الله تعالى الإنسان على تقصيره في عمل الخير، وجحوده النعم، بأن لم يطع أوامر الله شكرا على النعمة، فقال:
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ أي يا أيها الإنسان المدرك نهاية العالم ما الذي خدعك وجرأك على عصيان ربّك الكريم الذي أنعم عليك في الدنيا، حيث خلقك من نطفة بعد العدم، وجعلك سويا مستقيما، معتدل القامة في أحسن هيئة وشكل، متناسب الأعضاء، لا تفاوت فيها، مزوّدا بالحواس من السمع والبصر، وطاقة العقل والفهم.
والأصح أن الآية تتناول جميع العصاة لأن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب الذي نزلت الآية من أجله.
وقد وصف الله تعالى نفسه في هذا المقام بالكرم، وهذا الوصف يقتضي الاغترار به، حتى قالت العقلاء: من كرم الرجل سوء أدب غلمانه. فكان الكرم سبب الاغترار، وإنما وقع الإنكار عليه لأن الإنسان لم يدرك أن كرمه صادر عن الحكمة، وهي تقتضي ألا يهمل وإن أمهل، وأن ينتقم للمظلوم من الظالم ولو بعد حين، وقيل: غرّه، جهله، وقيل: غرّه عدوه المسلّط عليه، وهو الشيطان، وقيل: غرّه عفو الله إذ لم يعاجله بالعقوبة أول مرة.
فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ أي ركّبك في أي صورة شاءها من أبهى الصور وأجملها، وأنت لم تختر صورة نفسك، كما قال: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين ٩٥/ ٤].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١- إن من علامات يوم القيامة تبدل النظام الكوني، بتشقق السماء، وتساقط الكواكب، وتفجير البحار بعضها في بعضها، حتى تصير بحرا واحدا، ثم توقد حتى تصير نارا تضطرم، وبعثرة القبور وإخراج موتاها منها.
٢- إذا حدثت هذه الأشياء التي هي أشراط الساعة، حصل الحشر والنشر، وختمت صحائف الأعمال، فعلمت كل نفس ما كسبت، ووجدت ما قدمت من خير أو شر، وحوسبت كل نفس بما عملت، وأوتيت كتابها بيمينها أو بشمالها، فتذكرت عند قراءته جميع أعمالها، ولم يعد ينفعها عمل بعد ذلك.
٣- مسكين هذا الإنسان لا يشكر نعم ربّه بإطاعة أوامره، ولا يدخر من العمل الصالح ما يفيده في سفينة النجاة في آخرته، وغرّه كرم الله الذي تجاوز عنه في الدنيا، أو حمقه وجهله، أو شيطانه المسلط عليه. أخرج ابن أبي حاتم عن سفيان أن عمر سمع رجلا يقرأ: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ فقال عمر: الجهل، كما قال تعالى: إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا [الأحزاب ٣٣/ ٧٢]. وقيل للفضيل بن عياض: لو أقامك الله تعالى يوم القيامة بين يديه، فقال لك: ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ؟ ماذا كنت تقول؟ قال: كنت أقول: غرّني ستورك المرخاة لأن الكريم هو الستّار.
٤- نعم الله على الإنسان لا تعدّ ولا تحصى، وأهمها ما يتعلق بنفسه، حيث خلقه الله من نطفة ولم يك شيئا، وجعله سليم الأعضاء، منتصب القامة، متناسب الأعضاء، مستعدا لقبول الكمالات، بالسمع والبصر والعقل وغير ذلك، وصوّره في أحسن الصور وأعجبها وأبدعها، واختار له الهيئة الجميلة والشكل البديع، كما قال تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين ٩٥/ ٤].
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي