ثم ذكر سبحانه الجواب عما تقدّم فقال : عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ والمعنى : أنها علمته عند نشر الصحف لا عند البعث، لأنه وقت واحد من عند البعث إلى عند مصير أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار، والكلام في إفراد نفس هنا، كما تقدّم في السورة الأولى في قوله عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ [ التكوير : ١٤ ] ومعنى مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ما قدّمت من عمل خير أو شرّ، وما أخرت من سنة حسنة أو سيئة، لأن لها أجر ما سنته من السنن الحسنة وأجر من عمل بها، وعليها وزر ما سنته من السنن السيئة ووزر من عمل بها. وقال قتادة : ما قدّمت من معصية وأخرت من طاعة، وقيل : ما قدّم من فرض وأخّر من فرض، وقيل : أوّل عمله وآخره. وقيل : إن النفس تعلم عند البعث بما قدّمت وأخرت علماً إجمالياً لأن المطيع يرى آثار السعادة، والعاصي يرى آثار الشقاوة، وأما العلم التفصيلي فإنما يحصل عند نشر الصحف.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله : وَإِذَا البحار فُجّرَتْ قال : بعضها في بعض، وفي قوله : وَإِذَا القبور بُعْثِرَتْ قال : بحثت. وأخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله : عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ قال : ما قدّمت من خير وما أخّرت من سنة صالحة يعمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، أو سنة سيئة تعمل بعده، فإن عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيئًا. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس نحوه. وأخرج الحاكم وصححه عن حذيفة قال : قال النبيّ صلى الله عليه وسلم :«من استنّ خيراً فاستنّ به فله أجره ومثل أجور من اتبعه من غير منتقص من أجورهم، ومن استن شرّاً فاستنّ به فعليه وزره ومثل أوزار من اتبعه من غير منتقص من أوزارهم» وتلا حذيفة : عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ . وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب أنه قرأ هذه الآية : مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ الكريم قال : غرّه والله جهله. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : جعل الله على ابن آدم حافظين في الليل وحافظين في النهار يحفظان عمله ويكتبان أثره.