ثم عاتب تعالى من غرته نفسه حتى غفل عن مجاهدتها، فلم تقدم شيئا أمامها، فقال :
يا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ * كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ * وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ .
يقول الحق جلّ جلاله : يا أيها الإِنسانُ ما غرّكَ بربك الكريم ؛ أيّ شيءٍ خدعك وجرّأك على عصيانه، وقد علمتَ ما بين يديك من الدواهي التامة، والعواطب الطامّة، وما سيكون حينئذ من مشاهدة ما قَدَّمتَ من أعمالِك، وما أخّرت ؟ والتعرُّض لعنوان كرمه تعالى للإيذان بأنه مما لا يصلح أن يكون مداراً للاغترار، حسبما يغويه الشيطان، ويقول : افعل ما شئتَ فإنَّ ربك كريم، قد تفضّل عليك في الدنيا، وسيفعل مثله في الآخرة، فإنه قياس عقيم، وتمنية باطلة، بل هو مما يُوجب الإقبال على الإيمان والطاعة، والاجتناب عن الكفر والعصيان، كأنه قيل : ما حملك على عصيان ربك، الموصوف بالصفات الزاجرة عنه، الداعية إلى خلافه.
رُوي أنه صلى الله عليه وسلم لمّا قرأها قال :" غرَّه جهلُه " ١ وعن عمر رضي الله عنه : غرّه حُمقه، وقال قتادة : غرّه عدوه المسلّط عليه يعني الشيطان وقيل للفضيل : لو أقامك اللهُ تعالى يوم القيامة بين يديه فقال لك : ما غرَّك بربك الكريم ماذا كنتَ تقول ؟ قال : أقول : ستُورك المرخاة، لأنَّ الكريم هو الستّار وأنشدوا٢ :
| يا كاتِمَ الذنْب أمَا تَسْتَحِي | واللّهُ في الخلوة رَائِيكَا |
| غَرَّكَ مِنْ رَبِّك إمْهَالُه | وسترُه طولَ مسَاوِيكا |
٢ البيتان لابن السماك في تفسير القرطبي ٨/٤٢٨، وتفسير البحر المحيط ٨/ ٤٢٨..
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي