ﭥﭦﭧ

وجواب القسم إمّا محذوف يدلّ عليه : قُتل. . . الخ، كأنه قيل : أقسم بهذه الأشياء أنّ كفار قريش ملعونون كما لُعن أصحابُ الأخدود أو : هو قتل بعينه على حذف اللام، لطول الكلام، أي : لقد قُتل أصحاب الأخدود، والمراد : تثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإيمان، وتصبيرهم على أذى الكفرة، وتذكيرهم بما جرى على مَن تقدمهم من التعذيب، وصبرهم على ذلك، حتى يأنسوا ويصبروا على ما كانوا يلقون من قومهم، ويعلموا أنَّ هؤلاء الكفرة بمنزلة أولئك، ملعونون مثلهم. والأخدود : الخد في الأرض، أي : الشق.
رُوي في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" كان لبعض الملوك ساحر، فلمّا كبر، قال للملك : قد كبرتُ فابعث إليّ غلاماً أعلّمه السحر، فضمّ إليه غلاماً ليعلّمه، وكان في طريق الغلام راهبٌ، فسمع منه وأعجبه، وكان يحتبس عنده، فيضربه الساحرُ، فقال له الراهبُ : إذا خشيت الساحرَ، فقل له : حبسني أهلي، وإذا خشيتَ أهلك، فقل : حبسني الساحرُ، فرأى في طريقه ذات يوم دابة قد حبست الناس، وقيل : كانت أسداً، وقيل : ثُعباناً، فأخذ حجراً، وقال : اللهم إن كان الراهب أحبّ إليك من الساحر فاقتلها، فقتلها، وكان الغلام تعلَّم من الساحر اسم الله الأعظم، فكان الغلام يُبرئ الأكمه والأبرص، ويشفي من الأدواء، فعمي جليس الملكُ فأبراه، وأبصره الملكُ، فقال : مَن ردَّ عليك بصرك ؟ فقال : ربي، فغضب، فعذّبه، فدلّ على الغلام، فعذّبه، فدلّ على الراهب، فلم يرجع عن دينه، فقدّ بالمنشار، وأبى الغلامُ، فذهب به إلى جبل ليطرح من ذروته فدعا، فرجف بالقوم، فطاحوا، ونجا، فذهب به إلى قُرْقُورة وهي السفينة فلجَجوا به ليغرقوه، فدعا، فانكفأتْ بهم السفينةُ، فغرقوا، ونجا، فقال للملك : لستَ بقاتلي حتى تجمع الناسَ في صعيد، وتصلبني على جذع، وتأخذ سهماً من كنانتي، وتقول : بسم الله ربّ الغلام، ثم ترميني به، فرماه فوقع في صدغه، فوضع يده عليه ومات. فقال الناس : آمنا بربّ الغلام، فقيل للملك : نزل بك ما كنت تحذر، فخدّ أخدوداً، فملأها ناراً، فمَن لم يرجع عن دينه طرحه فيها، حتى جاءت امرأة معها صبيٌّ، فتقاعست، فقال الصبيّ : يا أماه ! اصبري، فإنك على الحق، فاقتحمت بصبيها. وقيل لها : قعي ولا تنافقي، ما هي إلاّ غميضة " والحديث في صحيح مسلم(١).
واسم الغلام : عبد الله بن الثامر، واسم الراهب : فيميون، واسم الملك : ذو نواس. وقد ذكر القصة الكلاعي بتمامها. وقيل : تعددت قضية الأخدود، فكانت واحدة بنجران باليمن، والأخرى بالشام، والأخرى بفارس، فنزل القرآن في الذي بنجران. انظر الثعلبي. قال سعيد بن المسيب : كنا عند عمر، إذ ورد عليه أنهم وجدوا ذلك الغلام حين حفروا خربة، وأُصْبعه على صُدْغِه كما قتل، فكلما مدت يده رجعت مكانها، فكتب عمر : أن واروه حيث وجدتموه. ه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : والسماء ذات البروج، أي : سماء الحقائق، صاحبة المنازل التي تنزل فيها السالك في ترقِّبه إليها، مَن أرض الشرائع، كمقام التوبة، ثم الصبر، ثم الورع، والزهد، ثم التوكُّل، ثم الرضا والتسليم، ثم المراقبة، ثم المشاهدة. واليوم الموعود يوم الفتح الأكبر، وهو وقت الخروج من شهود الكون إلى شهود المكوِّن، وشاهد هو الذي يشهد ذات الحق عياناً، ومشهود، هو عظمة الذات العلية وأسرارها وأنوارها. وقال الورتجبي : الشاهد هو والمشهود هو، يرى نفسه بنفسه، أي : لا يراه أحد بالحقيقة سواه، وأيضاً : الشاهد هو، إذا تجلّى بتجلِّي الجمال والحس، والمشهود قلوب العارفين شاهَدَها بنعت الكشف، وأيضاً : الشاهد هو قلوب المحبين، والمشهود لقاؤه، وهو شاهدهم وهو مشهودهم، هو شاهد العارف والعارف شاهده. هـ. قُتل أصحابُ الأخدود، وهم الصادُّون عن طريق الحق أينما كانوا وكيف كانوا، المعذِّبون لأهل التوجه، وما نقموا منهم إلاّ طلب كمال الإيمان، وتحقيق الإيقان. إنّ الذين فتنوا أهل التوجه ثم لم يتوبوا فلهم عذاب البُعد ولهم عذاب الاحتراق بالحرص والتعب والخوف والجزع.



١ انظر مسلم في الزهد حديث ٧٣، والترمذي في تفسير سورة ٨٥، حديث ٣٣٤٠، وأحمد في المسند ٦/١٧-١٨..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير