ﭥﭦﭧ

المعنى الجملي : أقسم سبحانه بما فيه غيب وشهود، وهو السماء ذات البروج، فإن كواكبها مشهود نورها، مرئي ضوؤها، معروفة حركاتها في طلوعها وغروبها، وكذلك البروج نشاهدها وفيها غيب لا نعرفه بالحس، وهو حقيقة الكواكب وما أودع الله فيها من القوى وما فيها من عوالم لا نراها ولا ندرك حقيقتها.
وأقسم بما هو غيب صرف، وهو اليوم الموعود وما يكون فيه من حوادث البعث والحساب والعقاب والثواب.
وأقسم بما هو شهادة صرفه وهو الشاهد : أي ذو الحس، والمشهود : وهو ما يقع عليه الحس.
أقسم سبحانه بكل ما سلف إن من قبلهم من المؤمنين الموحدين ابتلوا ببطش أعدائهم بهم، واشتدادهم في إيذائهم، حتى خدوا لهم الأخاديد، وملؤوها بالنيران وقذفوهم فيها ولم تأخذهم بهم رأفة، بل كانوا يتشفون برؤية ما يحل بهم، وهم مع ذلك قد صبروا وانتقم الله من أعدائهم وممن أوقع بهم، وأخذهم بذنوبهم أخذ عزيز مقتدر، ولئن صبرتم أيها المؤمنون على الأذى ليوفينكم أجركم، وليأخذن أعداءكم ولينزلن بهم ما لا قبل لهم به.
وقد حكى الله هذا القصص، ليكون تثبيتا لقلوب المؤمنين، ووعدا لعباده الصالحين، وحملا لهم على الصبر والمجاهدة في سبيله، ووعيدا للكافرين وأنه سيحل بهم مثل ما حل بمن قبلهم : سنت الله التي قد خلت في عباده [ غافر : ٨٥ ]، فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا [ فاطر : ٤٣ ].
شرح المفردات : الأخدود : الشق في الأرض يحفر مستطيلا، وجمعه أخاديد، وأصحاب الأخدود : قوم كافرون ذوو بأس وقوة رأوا قوما من المؤمنين فغاظهم إيمانهم فحملوهم على الكفر فأبوا فشقوا لهم شقا في الأرض وحشوه بالنار وألقوهم فيه، وكان هؤلاء الغلاظ الأكباد على جوانب الشق يشهدون الإحراق وما نقموا منهم : أي ما عابوا عليهم.
قتل أصحاب الأخدود أي أخذوا بذنوبهم، ونزل بهم نكال الدنيا وعذاب الآخرة.
ومن حديث ذلك أنه قد وقع إلى نجران من أرض اليمن رجل ممن كانوا على دين عيسى ابن مريم فدعا أهلها إلى دينه وكانوا على اليهودية، وأعلمهم أن الله بعث عيسى بشريعة ناسخة لشريعتهم، فآمن به قوم منهم، وبلغ ذلك ذا نواس ملكهم وكان يتمسك باليهودية. فسار إليهم بجنود من حِمير، فلما أخذهم خيّرهم بين اليهودية والإحراق بالنار، وحفر لهم حفيرة ثم أضرم فيها النار وصار يؤتي بالرجل منهم فيخيره، فمن جزع من النار وخاف العذاب ورجع عن دينه ورضي اليهودية تركه، ومن استمسك بدينه ولم يبال بالعذاب الدنيوي لثقته بأن الله يجزيه أحسن الجزاء- ألقاه في النار وكان حولها يشرف على هلاكه.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير