ﮰﮱﯓ

فجعله بعد ذلك غُثاءً يابساً هشيماً أحوى ؛ أسود، ف " أحوى " صفة لغُثاء، وقيل : حال من المرعى، أي : أخرجه أحوى من شدة الخضرة، فمضت مدة، فجعله غثاءً يابساً. وهذه الجمل الثلاث صفة للرب. ولمّا تغايرت الصفات وتباينت أتى لكل صفة بموصول. وعطف على كل صلة ما يترتب عليها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : نزِّه ربك أن ترى معه غيره، وقدِّسه عن الحلول والاتحاد، قال القشيري : أي : سبِّح ربك بمعرفة أسمائه، واسبَح بسرّك في بحر عطائه، واستخرج من بواهر علوه وسناه ما ترفع به عند مدحه من ثنائه. هـ. قال الورتجبي : أي : نزِّه اسمه عن أن يكون له سميًّا، من العرش إلى الثرى، حتى يكون بقدس اسمه مقدساً عن رؤية الأغيار، ويصل بقدس اسمه إلى رؤية قدس الصفات، ثم إلى رؤية قدس الذات. هـ. ( الأعلى ) فوق كل شيء، والقريب دون كل شيء، فهو عليٌّ في قربه، قريب في علوه، ليس فوقه شيء، وليس دونه شيء، الذي خلق ؛ أظهر الأشياءَ فسوَّى صورتها، وأتقن خلقها. والذي قدّر المراتب، فهدى إلى أسباب الوصول إليها، والذي أخرج المرعى، أي : ما ترعى في بهجته وحسن طلعته الأرواح من مظاهر الذات، وأنوار الصفات، فجعله غثاءً أحوى، فتلوّن من طلعة الجمال إلى قهرية الجلال. قال القشيري : أخرج المرعى : أي : المراتع الروحانية لأرباب الأرواح والأسرار والقلوب، لِيَرْعَوا فيها أعشاب المواهب الإلهية والعطايا اللاهوتية، وأخرج المراتع الجسمانية لأصحاب النفوس الأمَّارة والهوى المتبع، ليرتعوا فيها من كلأ اللذات الحيوانية الشهوانية. هـ. سنقرئك : سنلهمك من العلوم والأسرار ما تعجز عنه العقول، فلا تنسى، إلاّ ما شاء اللهُ أن تنساه، إنه يعلم الجهر، أي : ما يصلح أن تجهر به من تلك العلوم، وما يخفى وما يجب إخفاءه عن غير أهله. ونُيسرك للطريقة اليُسرى، التي تُوصل إلى الحضرة الكبرى. قال القشيري : أي : طريق السلوك إلى الله وهي الجذبة الرحمانية التي توازي عمل الثقلين. هـ. فحينئذ تصلح للدعاء إلى الله والتذكير به، كما قال تعالى :
فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى .


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير