ﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔ

قوله : لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الذي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ .
أي : ذلك البنيان صار سبباً لحصول الريبة في قلوبهم. و " بُنيَانهُم " يحتملُ أن يكون مصدراً على حاله، أي : لا يزالُ هذا الفعلُ الصَّادرُ منهم، ويحتملُ أن يكون مراداً به المبني، وحينئذٍ يضطرُّ إلى حذف مضاف، أي : بناء بنيانهم ؛ لأن المبنيَّ ليس ريبةً، أو يقدَّر الحذف من الثاني أي : لا يزال مبنيُّهم سبب ريبة. وقوله :" الذي بَنَوا " تأكيدٌ دفعاً لوهم من يتوهَّم أنهم لم يَبْنُوا حقيقة، وإنَّما دبَّرُوا أموراً، من قولهم : كم أبني وتهدمُ، وعليه قوله :[ الطويل ]

متى يبلغُ البُنْيانُ يَوْماً تَمَامَهُ إذَا كُنْتَ تَبْنيهِ وغيْرُكَ يَهْدِمُ ؟١

فصل


في كونه سبباً للريبة وجوه : الأول : أنَّ المنافقين فرحوا ببناء مسجد الضَّرار، فلمَّا أمر الرسول بتخريبة ثقل ذلك عليهم وازداد بغضهم له وازداد ارتيابهم في نبوته.
وثانيها : أنَّ الرسول - عليه الصلاة والسلام - لما أمر بتخريبه، ظنُّوا أنَّهُ إنَّما أمر بتخريبه حسدا، فارتفع أمانهم عنه، وعظم خوفهم منه، وصاروا مرتابين في أنَّهُ هل يتركهم على ما هم فيه أو يأمر بقتلهم ونهب أموالهم ؟
وثالثها : أنَّهم اعتقدوا كونهم محسنين في بناء ذلك المسجد، كما حبب العجل إلى قوم موسى، فلمَّا أمر الرَّسول - عليه الصلاة والسلام - بتخريبه بقوا شاكين مرتابين في أنه لأي سبب أمر بتخريبه ؟ قاله ابن عباس. وقال الكلبيُّ :" ريبة " أي : حسرة وندامة، لأنهم ندموا على بنائه٢. وقال السُّدي : لا يزال هدم بنيانهم ريبة، أي : حزازة وغيظاً في قلوبهم٣.
قوله :" إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ " المستثنى منه محذوفٌ، والتقدير : لا يزالُ بنيانهم ريبةً في كلِّ وقت إلاَّ وقت تقطيع قلوبهم أو في كل حال إلاَّ حال تقطيعها.
وقرأ ابن عامر٤، وحمزة، وحفص " تقطَّع " بفتح التَّاء، والأصل تتقطع بتاءين، فحذفت إحداهما.
وعن ابن٥ كثير " تَقْطع " بفتح الياء وتسكين القاف " قُلوبَهُم " بالنصب، أي : تفعلُ أنت بقلوبهم هذا الفعل. وقرأ الباقون " تُقَطَّع " بضمِّها، وهو مبني للمفعول، مضارع " قطَّع " بالتشديد. وقرأ أبيّ٦ " تَقْطَع " مخففاً من " قطع ". وقرأ الحسنُ٧، ومجاهد وقتادة، ويعقوب " إلى أن " ب " إلى " الجارة. وأبو حيوة كذلك، وهي قراءةٌ واضحةٌ في المعنى، إلاَّ أنَّا أبا حيوة قرأ٨ " تُقَطِّع " بضم التاء وفتح القاف وكسر الطاء مشددةً والفاعل ضميرُ الرسول، " قُلُوبَهُم " نصباً على المفعول به، والمعنى بذلك أنه يقتلهم ويتمكَّن منهم كلَّ تمكُّن. وقيل : الفاعلُ ضمير " الرِّيبة "، أي : إلى أنْ تقطع الرِّيبةُ قلوبهم وفي مصحف عبد الله " ولو قُطِّعَتْ " وبها قرأ أصحابه، وهي مخالفةٌ لسوادِ مصاحف الناس. والمعنى أنَّ هذه الريبة باقية في قلوبهم أبداً ويموتون على النِّفاق. وقيل : معناه إلاَّ أن يتوبوا توبة تنقطع بها قلوبهم ندماً وأسفاً على تفريطهم. وقيل : حتى تنشق قلوبهم غماً وحسرة. " والله عَلِيمٌ " بأحوالهم، " حَكِيمٌ " في الأحكام التي يحكمُ بها عليهم.
١ ينظر: الدر المصون ٣/٥٠٦، روح المعاني ١١/٢٤..
٢ ذكره البغوي في "تفسيره" (٢/٣٢٩)..
٣ انظر: المصدر السابق..
٤ ينظر: السبعة ص (٣١٩)، الحجة ٤/٢٣٠، حجة القراءات ص (٣٢٤)، إعراب القاراءت ١/٢٥٥، إتحاف ٢٢/٩٩..
٥ ينظر: السابق..
٦ ينظر: الكشاف ٢/٣١٣، المحرر الوجيز ٣/٨٦، البحر المحيط ٥/١٠٥، الدر المصون ٣/٥٠٦..
٧ ينظر: السابق..
٨ ينظر: السابق..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية