قلت : قرأ نافع وابن عامر : بغير واو ؛ مبتدأ حذف خبره، أي : معذبون، أو في :( لا تقم فيه أبداً )، أو في قوله :( لا يزال )، أو صفة لقوله :( وآخرون )، على من يقول : إن " المُرْجَوْن " غير الثلاثة المخلفين، بل في المنافقين الذين كانوا معرضين للتوبة مع بنيانهم مسجد الضرار. وهو قرأ بالواو فعطف على قوله :( آخرون )، أو مبتدأ حُذف خبره، أي : وممن وصفنا : الذين، أو منصوب على الذم، و( ضراراً ) وما بعده : علة، وأصل ( هارٍ ) : هائر، فأخرت الهمزة، ثم قلبت ياء، ثم حذفت ؛ لالتقاء الساكنين.
لا يزالُ بُنيانُهم أي : مبنيهم، مصدر بمعنى المفعول، الذي بَنوا ريبةً أي : شكاً ونفاقاً في قلوبهم ، والمعنى : أن بناءهم هذا لا يزال سبب شكهم وتزايد نفاقهم، فإنه حملهم على ذلك، ثم لما هدمه الرسول صلى الله عليه وسلم رسخ ذلك في قلوبهم وازداد، بحيث لا يزول رسمه من قلوبهم، إلا أن تقطع بالموت، بحيث لا يبقى لها قابلية الإدراك، أو لا يزال بنيانهم ريبة، أي : شكاً في الإسلام بسبب بنيانه، لاعتقادهم صواب فعلهم، أو غيظاً بسبب هدمه، والله عليمٌ بنياتهم، حكيم فيما أمر من هدم بنيانهم.
الإشارة : من أراد أن يؤسس بنيان أعماله وأحواله على التقوى والرضوان، فليؤسسه على الإخلاص والنية الحسنة، ومتابعة السنة المحمدية، فإنها لا تنهدم أبداً، ومن أراد أن يؤسسها على شفا جرف هارٍ فليؤسسها على الرياء والسمعة، وقصد الكرامات وطلب الأعواض، فإنها تنهدم سريعاً ولا تدوم، فما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي