نزلت هذه الآيات الأربع في واقعة حال من مكايد المنافقين للرسول صلى الله عليه وسلم و للمؤمنين، لم أرى أحدا بين حكمة خاصة لتأخيرها عن أمثالها مما نزل في أعمال المنافقين. ووضعها هنا في سياق توبة المذنبين من المؤمنين : ما تقدم منها فقبل، وما تأخر فأرجئ، وقد بينا الحكمة العامة في تفريق الآيات في الموضوع الواحد ـ وهو تجديد الذكرى والعظة، وما تقتضيه من التأثير والعبرة ـ في مواضع متعددة من الكلام على التناسب ووجوه الاتصال بين الآيات. ولعل بعض ضعفاء المؤمنين كانوا قد شايعوا أولئك المنافقين الاثني عشر الذين بنوا مسجد الضرار في عملهم جاهلين مقاصدهم منه، فأريد بوضع القصة وإبهام عطفها على من أرجأ الله الحكم في أمرهم أن يتعظ أولئك الغافلون من المؤمنين المغرورين بمسجد الضرار ومتخذيه، ويخافوا أن يؤاخذوا بمشايعتهم لهم، ولو بصلاتهم معهم في مسجدهم.
لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ الريبة اسم من الريب، وهو ما تضطرب فيه النفس، ويتردد الوهم ويسوء الظن، فيكون صاحبه منه في شك وحيرة إن لم يكن مثاره الشك. قال قوم صالح عليه السلام له، منكرين دعوته إياهم إلى عبادة الله وحده : وإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ [ هود : ٦٢ ]، ولهذا الاستعمال أمثال في التنزيل، وهو صريح في أن الشك مثار للريب وموقع فيه لا أنه عينه، وقد يفسر به باعتبار لزومه له وإيقاعه فيه. قال الشاعر :
وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت وقد رابني منها الغداة سفورُها١
والظاهر أن ارتيابهم فيه كان منذ بنوه على أن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهدمه فهدم، وذلك أنهم لسوء نيتهم في بنائه كانوا يخافون أن يطلع الله رسوله على مقاصدهم السوءى فيه، وكان ذلك شأن سائر إخوانهم كما تقدم في قوله تعالى : يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم [ التوبة : ٦٤ ] وذكرنا في تفسيرها قوله تعالى : يحسبون كل صحية عليهم [ المنافقون : ٤ ] ( ج ١٠ ) وأجدر بهم أن يكونوا بعد هدمه أشد ارتيابا، وأكثر اضطرابا، بما يحذرون من عقابهم في الدنيا كما أنذرتهم هذه السورة مرارا، وأن يستمر ذلك ملازما لهم.
إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ قرأ ابن عامر وحفص عن نافع وحمزة ( تقطع ) بفتح التاء وتشديد الطاء من التقطع، وقرأ الباقون بضم التاء من التقطيع، أي إلا أن تقطع الريبة قلوبهم أفلاذا، فتتقطع بها وتكون جذاذا، وقرأ يعقوب ( إلى ) بدل ( إلا ) وفسر ذلك بالموت والهلاك، وبالحسرة والندم المقتضي للتوبة، وقال الزمخشري وتبعه معتادو الأخذ عنه : لا يزال هدمه سبب شك ونفاق زائد على شكهم ونفاقهم، لا يزول وسمه عن قلوبهم، ولا يضمحل أثره ( إلا أن تقطع قلوبهم ) قطعا، وتفرّق أجزاء، فحينئذ يسلون عنه، وأما ما دامت سالمة مجتمعة، فالريبة باقية فيها متمكنة، فيجوز أن يكون ذكر التقطع تصويرا لحال زوال الريبة عنهم، ويجوز أن يراد حقيقة تقطيعها وما هو كائن منه بقتلهم، أو في القبور أو في النار. وقيل معناه إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندما وأسفا على تفريطهم اه.
واللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ فحكم في أمرهم وبين من حالهم ما اقتضته الحكمة والعلم المحيط بكل شيء.
تفسير المنار
رشيد رضا