لا يزال بنيانهم الذي بنوا أي : بناءهم الذي بنوه، مصدر أريد به المفعول وليس يجمع ولذلك قد يدخله التاء ووصف بالمفرد وأخبر عنه بقوله : ريبة أي : شكا ونفاقا في قلوبهم يعني أن بنيانهم هذا لا يزال سببا لشكهم وتزايد نفاقهم فإنه حملهم على ذلك وهم لا يزالون يحسبون أنهم كانوا في بنيانه محسنين كما حبب العجل إلى قوم موسى كذا قال : ابن عباس.
وقال الكلبي : حسرة وندامة لأنهم ندموا على بناءه، وقال السدي : لا يزال هدم بنيانهم ريبة أي : غيظا في قلوبهم إلا أن تقطع قرأ ابن عامر وأبو جعفر وحفص وحمزة بفتح التاء والباقون بضمها والاستثناء مفرغ من أعم الأزمنة وقرأ يعقوب إلى أن على الغاية وتقطع بضم التاء والتخفيف المجرد يعني في كل زمان الأزمان تقطع قلوبهم أو لا يزال إلى زمان قطعها يعني إلى وقت لا يبقى لقلوبهم قابلية الإدراك والإضمار وهو في غاية المبالغة، وقيل : المراد بالتقطع ما هو كائن بالقتل أو في القبر أو في النار قال : الضحاك وقتادة لا يزالون في شك منه إلى أن يموتون فيستيقظوا والله عليم بنياتهم حكيم فيما أمر بهدم بنائهم والله أعلم.
قال أهل السير : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني من مكة في موسم الحج في السنة الحادية عشر من البعثة فعرض نفسه على قبائل العرب فبينا هو عند العقبة لقي رهطا من الخزرج فقال : لهم : من أنتم ؟ قالوا : نفر من الخزرج، قال : أفلا تجلسون أكلمكم ؟قالوا : بلى، فجلسوا معه فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الإسلام وتلا القرآن، ومن صنع الله أن اليهود كانوا معهم في بلادهم وكانوا أهل كتاب والأوس والخزرج أكثر منهم وكانوا أهل أوثان فكانوا إذا كان بينهم شيء، قالوا : إن نبيا سيبعث الآن قد أظل زمانه فيتبعه فنقتلكم معه، فلما كلمهم النبي صلى الله عليه وسلم عرفوا النعت فقال : بعضهم لبعض أنه نبي لا يسبقنا اليهود إليه فأجابوه وأسلم منهم ستة نفر كلهم من الخزرج وهم أسعد بن زرارة وعوف بن الحارث أمه عفراء ورافع بن مالك وقطبة بن عامر بن جديدة وعقبة بن عامر بن نابي وجابر بن عبد الله بن رباب وقيل : عبادة بن الصامت مكان جابر رضي الله عنهم ومن قال : أسلم سبعة نفر فلعله عدهما جميعا فقال : لهم النبي صلى الله عليه وسلم :" تمنعون ظهري حتى أبلغ رسالة ربي " فقالوا : يارسول الله إنما كان يوم بعاث عام الأول يوم من أيامنا أقتتلنا به فإن تقدم ونحن كذا لا يكون لنا عليك اجتماع فدعنا نرجع إلى عشائر لعل الله يصلح ذات بيننا وندعوهم إلى ما دعوتنا فعسى الله أن يجمعهم عليك فإن اتبعوك فلا أحد أعز منك وموعدك الموسم من العام القابل وانصرفوا إلى المدينة ولم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان العام القابل وهي الثانية عشر من البعثة لقيه اثنا عشر رجلا وقيل : أحد عشر رجلا وهي العقبة الثانية فيهم خمسة من المذكورين غير جابر والسبعة معاذ بن الحارث أخو عوف المذكور وذكوان وعبادة بن الصامت ويزيد بن ثعلبة والعباس بن عبادة بن نضلة رضي الله عنهم وهم من الخزرج ومن الأوس رجلان أبو الهيثم بن التيهان من بني عبد الأشهل و عويمر بن ساعدة فأسلموا وبايعوا على بيعة النساء لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق الخ ورجعوا إلى المدينة، وكان أسعد بن زرارة رضي الله عنه يجمع بالمدينة من أسلم وكتبت الأوس والخزرج إلى النبي صلى الله عليه وسلم ابعث إلينا من يقرأنا القرآن فبعث إليهم مصعب بن عمير وكانوا أربعين رجلا فأسلم على يدي مصعب خلق كثير وأسلم سعد بن معاذ وأسيد بن خضير وأسلم بإسلامهما جميع بني عبد الأشهل في يوم واحد الرجال والنساء ثم قدم في العقبة الثالثة سنة الثالثة عشر من البعثة فبايع النبي صلى الله عليه وسلم في أوسط أيام التشريق منهم سبعون رجلا وامرأتان وقيل : ثلاث وسبعون وامرأتان، وقال الحاكم خمسة وسبعون نفسا أخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي، وكذا ذكر البغوي أنه قال : عبد الله بن رواحة يا رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترط لربك ولنفسك ما شئت، قال : اشترط لربي أن تعبدوه فلا تشركوا به شيئا وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون أنفسكم وأموالكم " قالوا : فإذا فعلنا ذلك فما لنا ؟ قال :" الجنة " قالوا : ربح البيع لا نقبل ولا نستقيل فنزلت : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقران ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم ( ١١١ )
التفسير المظهري
المظهري