يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠)
شرح الكلمات:
ضراراً: أي لأجل الإضرار.
وإرصاداً: اانتظاراً وترقباً.
إلا الحسنى: أي إلا الخير والحال الأحسن.
لا تقم فيه أبداً: أي لا تقم فيه للصلاة أبداً.
أسس على التقوى: أي بني على التقوى وهو مسجد قبا.
فيه رجال: هم بنو عَمرو بن عوف.
على تقوى من الله: أي على خوف.
ورضوان: أي رجاء رضوان الله تعالى.
على شفا جرف هار: أي على طرف جرف مشرف على السقوط، وهو مسجد الضرار.
ريبة في قلوبهم: أي شكاً في نفوسهم.
إلا أن تقطع قلوبهم: أي تُفْصَل من صدورهم فيموتوا.
معنى الآيات:
ما زال السياق في فضح المنافقين وإغلاق أبواب النفاق في وجوههم حتى يتوبوا إلى الله تعالى أو يهلكوا وهم كافرون فقال تعالى ذاكراً فريقاً منهم {والذين اتخذوا مسجداً ١
ضراراً وكفراً وتفريقاً ١ بين المؤمنين وإرصاداً لمن٢ حارب الله ورسوله من قبل} إن المراد من هؤلاء الذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً اثنا عشر رجلاً من أهل المدينة كانوا قد أتوا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو شاخص إلى تبوك فقالوا يا رسول الله إنا قد بنينا مسجداً للعاجز منا والمريض واللّيلة المطيرة فَصَلِّ لنا فيه فقال لهم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنا الآن على جناح سفر وإن عدنا نصلي لكم فيه إن شاء الله أو كما قال. فلما عاد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من تبوك ووصل إلى مكان قريب من المدينة يقال له ذواوان وهو بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار نزل عليه الوحي بشأن مسجد الضرار فبعث مالك بن الدخشم أخا بني سالم بن عوف ومعن بن عدي أو أخاه عاصماً أخا بني العجلان فقال انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه فخرجا مسرعين حتى أتيا بني سالم بن عوف وهم رهط مالك بن الدخشم فقال لمعن أنظرني حتى أخرج إليك بنار فخرج بسعف نخل قد أضرم فيه النار وأتيا المسجد وأهله فيه فأضرما فيه النار وهدماه وتفرق أهله ونزل فيهم قوله تعالى: والذين اتخذوا مسجداً ضراراً أي لأجل الإضرار المسجد النبوي ومسجد قباء حتى يأتيهما أهل الحي وقوله كفراً أي لأجل الكفر بالله ورسوله وقوله وتفريقاً بين المؤمنين علة ثالثة لبناء مسجد الضرار إذ كان أهل الحي مجتمعين في مسجد قباء فأرادوا تفرقتهم في مسجدين حتى يجد هؤلاء المنافقون مجالاً للتشكيك والطعن وتفريق صفوف المؤمنين على قاعدة: (فرق تسد) وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل وهو أبو عامر الراهب الفاسق لأنه عليه لعائن الله هو الذي أمرهم أن يبنوه ليكون وكراً للتآمر والكيد وهذا الفاسق قال للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما وجدت قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم فكان مع المشركين في حروبهم كلها إلى أن أنهزم المشركون في هوازن وأيس اللعين ذهب إلى بلاد الروم يستعديهم على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومن هنا أمر المنافقين ببناء مسجد الضرار ليكون كما ذكر تعالى حتى ينزل به مع جيوش الروم التي قد خرج يستعديها ويؤلَّبها إلا أنه خاب في مسعاه وهلك بالشام إلى جهنم وبئس المصير فهذا معنى قوله تعالى وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل أي قبل بناء مسجد الضرار الذي هُدم وحُرق وأصبح موضع قمامة تلقى فيه الجِيَفْ والقمائم.
٢ هو أبو عامر الراهب، وسمي الراهب: لأنه تنصّر وتعبد على دين النصارى ولما انهزمت ثقيف التحق بالروم ومات كافراً نالته دعوة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وقوله تعالى وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى هذا قولهم لما حرق عليهم المسجد وهدم وانفضح أمرهم حلفوا ما أرادُوا ببنائه إلا الحالة التي هي حسنى لا سوء فيها إذ قالوا بنيناه لأجل ذي العلة ولليلة المطيرة. وقوله تعالى والله يشهد إنهم لكاذبون تفيد لقولهم وتقرير لكذبهم. وقوله تعالى لا تقم فيه أبداً ١ نهيٌ للرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يصلى لهم فيه كما واعدهم وهو ذاهب إلى تبوك. وقوله تعالى لمسجد أسس٢ على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه وهو مسجده صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومسجد قباء إذ كل منهما أسس من أول يوم على تقوى من الله ورضوان أي على خوف من الله وطلب رضاه، وقوله تعالى فيه رجال يحبون أن يطهروا والله يحب المطهرين ثناء على أهل قباء بخير وإخبار أنهم يحبون أن يتطهروا٣ من الخبث الحسِّي والمعنوي فكانوا يجمعون في الاستنجاء بين الحجارة والماء فأثنى الله تعالى عليهم بذلك، وقوله تعالى أفمن أسّس بنيانه على تقوى من الله ورضوان أي على مخافة من الله وطلب لرضاه خير أمن أسس بنيانه على شفا أي طرف جرف هار أي مشرف على السقوط، والجرف٤ ما يكون في حافة الوادي من أرض يجرف السيل من تحتها التراب وتبقى قائمة ولكنها مشرفة على السقوط، وقوله تعالى فانهار به في نار جهنم أي سقط به ذلك الجرف في نار جهنم والعياذ بالله تعالى، هذا حال أولئك المنافقين الذين بنوا مسجد الضرار. وقوله تعالى والله لا يهدي القوم الظالمين أي لا يهديهم إلى ما يكمُلون به ويسعدون أي يحرمهم هدايته فيخسرون دنيا وأُخرى وقوله تعالى لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم٥ أي شكاً واضطراباً في نفوسهم إلا أن تقطع ٦ قلوبهم فيهلكوا والشك في قلوبهم أي فكان هذا البناء الظالم سبباً في تأصل النفاق
٢ أسّس أي: وضعت أسسه وبنيت جدره ورفت قواعده إذ الأس: أصل البناء، وكذلك الأساس، والجمع أسس وآساس جمع إساس. قال الشاعر:
| أصح الملك ثابت الآساس | في البهاليل من بني العباس |
٤ الحرف: بالضم والإسكان كالرسْل والرسْل، وأصله من الجرف والإجتراف وهو اقتلاع الشيء من أصله.
٥ وقيل: الريبة هنا: الحسرة والندامة، وحزازة وغيظاً والكل صالح لدلالة اللفظ عليه.
٦ أي: إلى أن تقطع قلوبهم بالموت أي: إلا أن يموتوا.
والكفر في قلوبهم حتى يموتوا كافرين وقوله والله عليم حكيم تذييل للكلام بما يقرر مضمونه ويثبته فكونه تعالى علمياً حكيماً يستلزم حرمان أولئك الظلمة المنافقين من الهداية حتى يموتوا وهم كافرون إلى جهنم وذلك لتوغلهم في الظلم والشر والفساد.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- بيان أكبر مؤامرة ضد الإسلام قام بها المنافقون بإرشاد الفاسق أبي عامر الراهب.
٢- بيان أن تنازع الشرف هو سبب البلاء كل البلاء فابن أُبَيّ حاربَ الإسلام لأنه كان يُؤمِّلُ في السُّلطة على أهل المدينة فحُرِمَها بالإسلام. وأبو عامر الراهب ترهَّب لأجل الشرف على أهل المدينة والسلطان الروحى فلذا لما فقدها حارب من كان سبب حرمانه وهو الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى قال له مواجهة: ما قاتلك قوم إلا قاتلتك معهم. بل ذهب إلى الروم يؤلِّبهم على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واليهود ما حاربوا الإسلام إلا من أجل المحافظة على أملهم في مملكة إسرائيل.
٣- لا يصح الاغترار بأقوال أهل النفاق فإنها كذب كلها.
٤- أيما مسجد بُني للإضرار والتفرقة بن المسلمين إلا ويجب هدمه وتحرم الصلاة فيه.
٥- فضل التطهر والمبالغة في الطهارتين الروحية والبدنية.
٦- التحذير من الظلم والإسراف فيه فإنه يحرم صاحبه هداية الله فيهلك وهو ظالم فيخسر دنيا وأُخرى.
إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١) التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
جابر بن موسى بن عبد القادر بن جابر أبو بكر الجزائري