ويقول الحق بعد ذلك : إن الله له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير( ١١٦ ) .
ومادة ال( م. ل. ك ) يأتي منها " مالك "، و " ملك "، و " ملك "، ومنها " ملك "، ومنها " ملكوت " و " الملك " هو ما تملكه أنت في حيزك، لأن كان هناك أحد يملكك أنت ومن معك ويملك غيرك، فهذا هو الملك، أما اتسع فيه مقدور الإنسان أي الذي يدخل في سياسته وتدبيره، فاسمه ملك، فشيخ القبيلة له الملك، عهدة القرية له الملك، وحاكم الأمة له ملك، ويكون في الأمور الظاهرة... وأما الملكوت فهو ما لله في كونه من أسرار خفية.
مثل قوله تعالى : وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض... ( ٧٥ ) ( الأنعام ).
وساعة ترى " تاء المبالغة " في مثل " رهبوت "، و " عظموت " تدرك أنها رهبة عظيمة.
إذن : إياك أن تفهم أن الله حين يمنعك أن تستغفر لآبائك، وأنك إن قاطعتهم فذلك يخل بوجودك في الحياة ؛ لأنهم هم ومن يؤازرهم داخلون في ملك الله، وما دام الله له ملك السماوات والأرض فلا يضيرك أحد أو شيء ولا يفوتك مع الله فائت، وما دام الله سبحانه موجودا فكل سهل لمن يأخذ بأسبابه مع الإيمان به.
والحق سبحانه يبين لنا أنه سبحانه وحده الذي بيده الملك ؛ فقال : قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير... ( ٢٦ ) ( آل عمران ).
وفي هذا القول الكريم أربعة أشياء متقابلة : تؤتي الملك و تنزع الملك ، وإيتاء الملك في أعراف الناس خير، ونزعه في أعراف الناس شر، وإعزاز الناس خير، وإذلالهم شر، ولم يقل الله بيده :" الخير والشر " ونما قال في كلّ : بيدك الخير .
إذن : فحين يؤتي الله إنسانا ملكا نقول : هذا خير وعليك أن تستغله في الخير. وحينما بنزع الله منه الملك نقول له : لقد طغيت وخفف الله عنك جبروت الطغيان، فنزعه الله منك فهذا خير لك. وإن أعزك الله، فقد يعذبك حقّا، وإن أذلهم الله، فالمقصود ألا يطغوا أو يتجبروا. إذن : فكلها خير.
تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير... ( ٢٦ ) ( آل عمران ).
ساعة تجد ملكا عضوضا١، إياك أن تظن أن هذا الملك العضوض قد أخذ ملكه دون إرادة الله، لا، بل هو عطاء من الله. ولو أن المملوك راعي الله في كل أمور لرقق عليه قلب مالكه. ولذلك يقول لنا في الحديث القدسي :" أنا الله ملك الملوك، قلوب الملوك ونواصيها بيدي، فإن العباد أطاعوني جعلتهم عليهم رحمة، وإن هم عصوني جعلتهم عليهم عقوبة، فلا تشتغلوا بسب الملوك، ولكن أطيعوني أعطفهم عليكم ".
وما دام الأمر كذلك، فلا بد أن نعرف أن كل حادث له حكمة٢ في الوجود. وإن رأيت واحدا قد أخذ الملك وهو ظالم٣، فاعلم أن الله قد جاء به ليربي به المملوكين، وسبحانه لا يربي الأشرار بالأخيار ؛ لأن الأخيار لا يعرفون كيف يربون٤ ؛ وقلوبهم تمتلئ بالرحمة ؛ ولذلك يعلمنا سبحانه : وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا... ( ١٢٩ ) ( الأنعام )والخير لا يدخل المعركة بل يشاهد الصراع من بعيد، ويجري كل شيء بعلم الله ؛ لأنه سبحانه ملك السماوات والأرض وهو الذي يحيي ويميت، فإياك أن تفتن في غير خالقك أبدا ؛ لأن الخلق مهما بلغ من قدرته وطغيانه، لا يستطيع أن يحمي نفسه من أغيار الله في كونه ؛ ولذلك فليأخذ المؤمن من الله وليّا ونصيرا.
وبعد أن قال لنا سبحانه : إن الله له ملك السماوات والأرض يأتي لنا بالأمر الذي يظهر فيه أثر القدرة، ولا يشاركه فيه غيره، فقال : يحيي ويميت . وقال بعض العلماء في قوله : يحيي ويميت أنه سبحانه " يحيي الجماد "، و " يميت الحيوان " ؛ لأنهم ظنوا أن الحياة هي الحس والحركة التي نراها أمامنا من حركة وكلام وذهاب وإياب، ونسوا أن الحياة هي ما أودعه الله في كل ذرة في الكون، مما تؤدي به مهمتها، ففي ذرة الرمل حياة، والجبل فيه حياة، وكل شيء فيه حياة، بنص القرآن حيث يقول :
ليهلك من هلك عن بينة ويحيي من حي عن بينة... ( ٤٢ ) ( الأنفال ).
إذن : فكل شيء قبل أن يكون هالكا كان حيّا، وهكذا نعرف أن الحياة ليست هي الحس والحركة الظاهرتين، وبعد التقدم العلمي الهائل في المجاهر الدقيقة تكشفت لنا حركة وحس كائنات كنا لا نراها، وإذا كان الإنسان قد توصل بالآلات التي ابتكرها إلى إدراك ألوان كثيرة من الحياة فيما كان يعتقد أنه لا حياة فيها، إذن : فكل شيء في الوجود له حياة تناسبه فلو جئت بمعدن مثلا وتركته ستجده تأكسد، أي حدث فيه أي تفاعل مع مواد أخرى... فهذه حياة.
٢ الحكمة: الصواب والسداد والحق والعلم والعدل والحلم والنبوة والقرآن والإنجيل قال تعالى:ويعلمهم الكتاب والحكمة (١٢٩) (البقرة).
٣ عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"... إن الله عز وجل يعطي الدنيا لمن يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن أحب" قطعة من حديث أخرجه أحمد في مسنده (١/٣٨٧) والحاكم في مستدركه (١/٣٣) (٢/٤٤٧) (٤/١٦٥)، وصححه ووافقه الذهبي، وعزاه الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/٢٢٨) لأحمد وقال: رجاله وثقوا ن وبعضهم خلاف..
٤ التربية بمعنى التأديب والزجر، وهذا مملح دقيق جدا فالله سبحانه يعلم من قلوب المؤمنين الرحمة والرأفة والعفو والصفح، ولذلك عند تطبيق حد الزنا مثلا قال سبحانه:الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين (٢) (النور).
تفسير الشعراوي
الشعراوي