ثم بين لهم أن له سبحانه ملك السموات والأرض لا يشاركه في ذلك مشارك، ولا ينازعه منازع يتصرف في ملكه بما شاء من التصرفات التي من جملتها أنه يحيي من قضت مشيئته بإحيائه، ويميت من قضت مشيته بإماتته، وما لعباده من دونه من وليّ يواليهم، ولا نصير ينصرهم، فلا يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى، فإن القرابة لا تنفع شيئاً ولا تؤثر أثراً، بل التصرف في جميع الأشياء لله وحده.
وأخرج ابن جرير، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي، والضياء في المختارة، عن ابن عباس، أنه قال لعمر بن الخطاب : حدّثنا من شأن ساعة العسرة، فقال : خرجنا مع رسول الله إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلاً فأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره، فيعصر فرثه، فيشربه ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق : يا رسول الله، إن الله قد عوّدك في الدعاء خيراً فادع لنا، فرفع يديه، فلم يرجعهما حتى قالت السماء، فأهطلت ثم سكبت، فملأوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر، فلم نجدها جاوزت العسكر. وقد وقع الاتفاق بين الرواة أن ساعة العسرة هي غزوة تبوك.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن منده، وأبو الشيخ، وابن مردويه، وابن عساكر، عن جابر بن عبد الله، في قوله : وَعَلَى الثلاثة الذين خُلّفُواْ قال : كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وكلهم من الأنصار. وأخرج ابن منده، وابن عساكر، عن ابن عباس، مثله. وأخرج البخاري ومسلم، وغيرهما، عن كعب بن مالك قال : لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحداً تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوّهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين توافقنا على الإسلام، وما أحبّ أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر منها في الناس وأشهر، ثم ذكر القصة الطويلة المشهورة في كتب الحديث والسير، وهي معلومة عند أهل العلم فلا نطول بذكرها. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الضحاك، في قوله : وَعَلَى الثلاثة الذين خُلّفُواْ قال : يعني : خلفوا عن التوبة، لم يتب عليهم حين تاب الله على أبي لبابة وأصحابه. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، وابن عساكر، عن عكرمة نحوه.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن نافع، في قوله : وَكُونُواْ مَعَ الصادقين قال : نزلت في الثلاثة الذين خلفوا، قيل لهم : كونوا مع محمد وأصحابه. وأخرج ابن جرير، عن سعيد بن جبير، في قوله : وَكُونُواْ مَعَ الصادقين قال : مع أبي بكر وعمر. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن عساكر، عن الضحاك في الآية قال : مع أبي بكر، وعمر، وأصحابهما. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس، قال : مع عليّ بن أبي طالب. وأخرج ابن عساكر، عن أبي جعفر، قال : مع الثلاثة الذين خلفوا.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني