أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن ءامن بالله واليوم الأخر وجاهد في سبيل الله لا يستون عند الله والله لا يهدي القوم الظلمين ( ١٩ ) [ التوبة : آية ١٩ ].
قال بعض العلماء : نزلت هذه الآية الكريمة في العباس بن عبد المطلب، ذلك أنه لما أسر يوم بدر كان علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) يلومه ويشدد عليه في قتاله للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان الصحابة يعيرونه وأصحابه بالشرك بالله، فقال لهم : تذكرون مساوئنا ولا تذكرون محاسننا ! ! فقال له علي : ألكم محاسن ؟ قال : نعم، نحن نعمر بيت الله الحرام، ونسقي الحاج، ونفك العاني، ونفعل ونفعل (١).
وقال بعض العلماء : نزلت في عثمان بن طلحة، أو شيبة بن طلحة وعلي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب. قال العباس : أنا صاحب السقاية. وقال صاحب بني عبد الدار : أنا سادان البيت، عندي مفتاح الكعبة، لو أشاء لبت فيها. وقال علي بن أبي طالب : صليت إلى القبلة قبل أن يصلي الناس إليها، وذكر الجهاد ونحو ذلك، فأنزل الله : أجعلتم سقاية الحاج (٢).
وأكثر المفسرين أن سبب نزولها هو افتخار الكفار بسقايتهم الحاج، وعمارتهم المسجد الحرام، وجعلهم ذلك مثل إيمان المؤمنين، وأن لهم من الأجر مثل ما للمؤمنين، فأنكر الله عليهم.
وقد جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة حديث مشكل، لأنه خرج جماعة عن النعمان بن بشير ( رضي الله عنه )، ومن جملة من خرج حديثه مسلم بن الحجاج ( رحمه الله ) في صحيحه، أن سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوم جمعة وعند منبر النبي صلى الله عليه وسلم رجال، فقال واحد منهم : لا أبالي أن أفعل شيئا بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام. وقال الثالث : الجهاد في سبيل الله أفضل من هذا كله. فزجرهما عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان هذا يوم جمعة. فإذا صلى الجمعة استفتيت رسول الله فيم اختلفتم فيه. وأنه استفتى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله : أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد سبب نزل هذه الآية على هذا السياق أخرجه مسلم في صحيحه وجماعة (٣)، وهو مشكل جدا ؛ لأنا لو فرضنا أن نزولها في المؤمنين لا يناسب قوله في آخرها : والله لا يهدي القوم الظلمين [ التوبة : آية ١٩ ] فدل على أن الصحيح أنها في الكفار، وهذا الحديث أصله فيه إشكال معروف في سبب نزول هذه الآية الكريمة، وقد أورد أبو عبد الله القرطبي ( رحمه الله ) في تفسير هذه الآية إزالة هذا الإشكال (٤)، وكلامه فيه أجود ما وقفت عليه في إزالة إشكاله، قال : إنهم لما اختلفوا وذكر واحد منهم عمارة المسجد، وذكر الثاني سقاية الحاج، وذكر الثالث الجهاد، وسأل عمر بن الخطاب النبي صلى الله عليه وسلم، أن النبي إنما قرأ الآية – وكانت نازلة قبل – مستدلا بها لحكم ما اختلفوا فيه، وهي قوله : أجعلتم سقاية الحاج فظن الراوي أن قراءة النبي لها أن ذلك وقت نزولها، وذلك ليس بوقت نزولها، فهي نازلة قبل ولكنه ذكرها استشهادا واستدلالا لما اختلفوا فيه. وهذا هو الأظهر والله تعالى أعلم.
وقوله : أجعلتم سقاية الحاج الظاهر أن ( جعل ) هنا هي التي بمعنى اعتقد، وأنه أنكر عليهم اعتقادهم تساوي هذين الأمرين وهما بعيد من المساواة، بينهما بون عظيم، وبون شاسع.
وكان بعضهم يقول : لا يبعد أن تكون هي التي بمعنى ( صير ) أي : صيرتم هذا كهذا وادعيتم أنه مثله.
وقد ذكرنا في هذه الدروس مرارا (٥) أن لفظة ( جعل ) تأتي في اللغة العربية لأربعة معان، ثلاثة منها موجودة في كتاب الله، ورابعها موجود في اللغة العربية ولم يوجد في كتاب الله، من هذه المعاني الأربعة : كون ( جعل ) بمعنى ( اعتقد ) وجعل التي بمعنى اعتقد أصلها تنصب المبتدأ والخبر مفعولين، ومنها قوله : وجعلوا الملئكة الذين هم عبد الرحمن إنثا [ الزخرف : آية ١٩ ] وفي القراءة الأخرى (٦) : الذين هم عند الرحمن إناثا والمعنى جعلوا الملائكة إناثا، أي : اعتقدوهم إناثا ؛ لأنهم لم يصيروهم إناثا ولا يقدرون، فهي ( جعل ) بمعنى ( اعتقد ).
والثانية ( جعل ) بمعنى ( صير ) ومنه قوله : جعلنهم حصيدا خمدين [ الأنبياء : آية ١٥ ] أي : صيرناهم. وهذه أيضا تنصب المبتدأ والخبر مفعولين.
والثالثة ( جعل ) بمعنى ( خلق ) وهي تتعدى إلى مفعول واحد، ومن هذا قوله في أول سورة الأنعام : الحمد لله الذي خلق السموت والأرض وجعل الظلمت والنور [ الأنعام : آية ١ ] أي : خلق الظلمات والنور، بدليل عطفه على قوله : خلق السموت والأرض .
هذه ثلاثة معاني كلها في القرآن :( جعل ) بمعنى ( اعتقد )، ( جعل ) بمعنى ( صير )، ( جعل ) بمعنى ( خلق ).
الرابع منها :( جعل ) بمعنى ( شرع ) جعل يفعل كذا إذا شرع فيه. وهذه ليست موجودة في كتاب الله، وهي موجودة في كلام العرب بكثرة، ومنه قول الشاعر (٧) :
| وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني | ثوبي فأنهض نهض الشارب السكير |
والسقاية هي إحدى الوظائف ؛ لأن قصي بن كلاب – وهو مجمع – لما جمع قريشا وأخذ سدانة الكعبة من خزاعة، وجمع قريشا وكان يسمى مجمعا ؛ لأنه جمع قبائل قريش بمكة، وهو الذي يقول فيه ابن حذافة (٨) :
| أبوكم قصي كان يدعى مجمعا | به جمع الله القبائل من فهر |
اللواء هو حمل اللواء في الميدان عند التحام الحرب.
ودار الندوة : هي الدار التي كانوا لا يعقدون ولا يحلون إلا بها، اشتراها بعد ذلك حكيم بن حزام وباعها وتصدق بثمنها (٩). ولما قالوا له : يا أبا خالد : بعت مأثرة قريش ! ! قال لهم : الشرف بالدين لا بالديار.
والسقاية : كان قصي يجمع أموالا على قريش يجعل منها الرفادة والسقاية.
الرفادة : مال يكون عندهم يكون رفدا لمن تعطل، إذا مات بعير حاج اشتروا له بعيرا، وإذا افتقر أحد أو انقطعت به النفقة زودوه منه حتى يصل إلى أهله. كل هذا يفعله قصي ويأخذ هذا المال على قريش.
والسقاية : كانوا يأخذون النبيذ والشراب الطيب ويجعلونه في الموسم في الأماكن التي تغشاها الناس، فيأتي الناس فيشربون مجانا. وعن ابن عباس ( رضي الله عنهما ) أن أعرابيا جاء واستسقاهم من سقايتهم فسقوه نبيذا، فقال الأعرابي : سبحان الله إن الناس يسقون في سقايتهم اللبن والعسل وأنتم تسقون النبيذ ! ! يعيبهم بأن سقايتهم نبيذ. فاخبره ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بهم وسقوه من نبيذها، وأمرهم أن يسقوا الناي منه. قال : لا نزيد على ما أمرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم (١٠). ومعلوم أن هذا النبيذ الذي يسكر كثيره لا ينبغي أن يقدم على شربه ؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما أسكر كثيره فقليله حرام " (١١) كما هو معروف. فهذه هي سقاية الحاج.
والرفادة والحجاجة التي هي سدانة البيت كانت كلها لعبد الدار، ولما شب أولاد عبد مناف وأرادوا نزع هذه الأشياء من بني عبد الدار، ووقعت المخالفة بين قريش، وتحالفوا للقتال الحلف الذي يقال فيه " حلف المطيبين " و " حلف لعقة الدم " كما هو معروف، ثم اصطلحوا على أن تبقى السقاية والرفادة أن ترد لبني عبد مناف، ويبقى للعبدريين اللواء والندوة وحجاجة البيت، أي : سدانة الكعبة حرسها الله. فهذه السقاية كانوا يفتخرون بها ويقولون : نحن نسقي الحاج ونعمر بيت الله ! ! ويجعلون هذا أفضل ممن يؤمن بالله، فأنكر الله عليهم فقال : أجعلتم سقاية الحاج [ التوبة : آية ١٩ ] الحجاج يقدمون عليكم فتسقونهم وعمارة المسجد الحرام كترميمه وبنائه.
كمن ءامن بالله لا بد أن يقدر مضاف في أحد الأمرين (١٢). قال بعض العلماء : يقدر في الأول، والمعنى : أجعلتم أصحاب سقاية الحاج، أو أهل سقاية وعمارة المسجد الحرام كمن آمن، آي : كالذين آمنوا بالله ؟
وقال بعض العلماء : يقدر المضاف في الثاني أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد كعمل من آمن بالله. والأمران جائزان، وأظهرهما : تقديره في الأول، والمعنى : أجعلتم أهل السقاية الحاج وأصحاب عمارة المسجد كالذين آمنوا بالله، لا يكونوا مثلهم أبدا. ويستأنس لهذا بالقراءة الشاذة المروية عن ابن الزبير وأبي بن كعب وأبي وجزة وغيرهم في قوله : " أجعلتم سقاة الحاج وعمرة المسجد الحرام " (١٣) السقاة : جمع الساقي، كقاضي وقضاة. والعمرة : جمع عامر، ككاتب وكتبة، وظالم وظلمة. فهي قراءة شاذة إلا أنها يستأنس بها للمعنى.
والحاج : اسم جنس لكل من يحج بيت الله الحرام، وسقايتهم : كما كانوا يسقون النبيذ والشراب الحلو في المواسم أيام الحج.
وعمارة المسجد الحرام كما بناه قريش في صغر النبي صلى الله عليه وسلم. جعلتم واعتقدتم هذا كمن ءامن بالله لا يكون مثله.
ثم قال : لا يستون عند الله لا يستوي هؤلاء وهؤلاء ؛ لأن عمل هؤلاء باطل للكفر ؛ لأن الله قال : وبطل ما كانوا يعملون [ هود : آية ١٦ ] وقال ( جل وعلا ) : وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلنه هباء منثورا ( ٢٣ ) [ الفرقان : آية ٢٣ ] وقال : والله لا يهدي القوم الظلمين [ التوبة : آية ١٩ ] أي : ومنهم الكفرة الذين يفتخرون بسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، فهم قوم ظالمون لا يهديهم الله ( جل وعلا ).
وقد جاء في هذا المعنى جملة من الآثار منها:
الشعبي: أخرجه ابن جرير (١٤/ ١٧١)، وابن حاتم (٦/ ١٧٦٨)، وأورده السيوطي في الدر (٣/ ٢١٨) وعزاه لابن مردويه وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ.
عبد الله عبيدة: أورده السيوطي في الدر (٣/ ٢١٨) وعزاه لابن أبي شيبة وابن مردويه وأبي الشيخ.
ابن سيرين: أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص (٢٤٤)، وعزاه في الدر (٣/ ٢١٨) للفريابي.
الضحاك: أخره ابن جرير (١٤/ ١٧٢)..
٢ أخرجه ابن جري (١٤/ ١٨١) والواحدي في أسباب النزول ص (٢٤٤) عن محمد بن كعب القرظي مرسلا. وقد جاء بمعناه عدة آثار منها:
عن الحسن البصري: أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص (٢٤٤)، وعزاه في الدر (٣/ ٢١٩) لعبد الرزاق.
أنس بن مالك (رضي الله عنه): أورده السيوطي في الدر (٣/ ٢١٩) وعزاه لأبي نعيم في فضائل الصحابة، وابن عساكر.
السدي: أخرجه ابن جرير (١٤/ ١٧٢).
الشعبي: أخرجه ابن أبي حاتم (٦/ ١٧٦٧)..
٣ مسلم في الإمارة، باب: فضل الجهاد والخروج في سبيل الله. حديث رقم: (١٨٧٩) (٣/ ١٤٩٩)..
٤ تفسير القرطبي (٨/ ٩٢)..
٥ مضى عند تفسير الآية (١٠٠، ١١٢) من سورة الأنعام والآية (١٨٩) من سورة الأعراف..
٦ مضت عند تفسير الآية (١١٢) من سورة الأنعام..
٧ مضى عند تفسير الآية (١١٢) من سورة الأنعام..
٨ تقدم هذا البيت في سبيل الهدى والرشاد (١/ ٢٧٥)..
٩ أخرجه الطبراني من طريقين (٣/ ١٨٦ - ١٨٧) وقال في المجمع (٩/ ٣٨٤): "رواه الطبراني بإسنادين أحدهما حسن" ا. ـ..
١٠ أخرجه ابن سعيد (٢/ ١٣١)، وأورده السيوطي في الدر (٣/ ٢١٩) وعزته لابن سعد..
١١ مضى عند تفسير الآية (١١٥) من سورة الأنعام..
١٢ تنظر: القرطبي (٨/ ٩١)، الدر المصون (٦/ ٣١)..
١٣ ذكرها ابن جني في المحتسب (١/ ٢٨٥)، والقرطبي (٨/ ٩١)، وأبو حيان في البحر (٥/ ٢٠) ولم أجد من عزاها لأبي بن كعب..
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير