ﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭ

(أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْم الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) والمعنى أصيرتم سقاية الحاج، أي جنس الحاج وهم الحجيج، وعمارة المسجد الحرام، أي تنظيفه والقيام على بنائه وتشييده، كإيمان من آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله.
وقال أكثر المفسرين: إن في الكلام تقديزا لمحذوف تقديره: أجعلتم أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، وقالوا إنه يدل عليه قراءة (سُقَاة) (١) بضم السين وهي جمع ساق، ويكون المعنى على هذه القراءة: أصيرتم سقاة الحجيج، وأهل عمارة البيت الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر، وجاهد في سبيل الله تعالى، والاستفهام إنكاري توبيخي متضمن النفي وأن ما صنعوا لَا ينبغي لأهل العقول المدركة، والآيات تتلى عليهم بالحق المبين ليتدبروه فينكصون عنه، ويسمرون بهجر القول، ويتفاخرون بشعر العرب، كما قال تعالى: (قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧)، أي يهجرون القرآن، وكانوا يسمرون بالأساطير والخرافات وَيهجرون القرآن هجرا.
وقد أجاب سبحانه وتعالى عن الاستفهام التوبيخي مبينا الحق (لا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ) فمقامهم عند الله مختلف مقام الجاهد المؤمن بالله واليوم الآخر، مقام عال، لَا يناصى، ومقام المشرك الذي يكتفي من الشرف بالسقاية والعمارة المادية، ويظن ذلك مقربا إليه زلفى، وهو يشرك بالله في عبادته الأنداد. إنهم تركوا الجوهر وناقضوه، وأخذوا بمظهر باطل لَا يغني عن الحق شيئا.
________
(١) ليست في العشر المتواترة.

صفحة رقم 3256

وقد بين جزاء الأعلياء المفضلين من بعد، وبين هنا ضلال المشركين، فقال تعالى: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) والظالمون هم المشركون، وقد سمى الله الشرك ظلم، لأن المشرك ظلم الحق فعبد أوثانا لَا تضر، وظلم العقل المدرك فطمسه، وظلم نفسه فتردى بها في مهاوي الضلال، وطمس الحق، وإن اللَّه لا يهدي الذين أركسوا أنفسهم في هذا، لأنهم لم يسلكوا نجد الحق والعقل والإدراك السليم.
وهنا إشارة بيانية، وهي أن سياق الآية في ظاهره من غير تقدير جعل المناظرة بين سقاية الحاج وعمارة البيت الحرام ومن آمن... والمعنى إيمان من آمن، ولكنه ذكر من آمن... وذلك لبيان الإيمان قائما في أصحابه محسوسا مرئيا، لأنه تزكية ظاهرة، ودعوة عملية إليه كقوله تعالى: (... وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ...)، إلى أخر آية البر.
وبعد أن بين الله تعالى أن الظالمين بسبب ما سلكوا يستمرون في غيهم يعمهون، بين جزاء الهداة الذين جاهدوا بعد أن آمنوا وهاجروا.

صفحة رقم 3257

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة

الناشر دار الفكر العربي
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية