وهو مأخوذ من الولوج، فالمعنى أمرا باطنا مما ينكره الحق، وهذه الآية مخاطبة للمؤمنين معناها أنه لا بد من اختبارهم فهي كقوله أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: ٢١٤] وكقوله الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [العنكبوت: ١- ٢] وفي هذه الآية طعن على المنافقين الذين اتخذوا الولائج لا سيما عند ما فرض القتال، وقرأ جمهور الناس «والله خبير بما تعملون» بالتاء على المخاطبة، وقرأ الحسن ويعقوب في رواية رويس وسلام بالياء على الحكاية عن الغائب، وقوله تعالى ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ الآية، معناه ما كان للمشركين بحق الواجب أن يعمروا، وهذا هو الذي نفى الله عز وجل وإلا فقد عمروا مساجده قديما وحديثا وتغلبا وظلما، وقرأ حماد بن أبي سلمة عن ابن كثير والجحدري «مسجد الله» بالإفراد في الموضعين، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي والأعرج وشيبة وأبو جعفر ومجاهد وقتادة وغيرهم «مساجد» بالجمع في الموضعين، وقرأ ابن كثير أيضا وأبو عمرو «مسجد» بالإفراد في هذا الموضع الأول و «مساجد» بالجمع في الثاني، كأنه ذكر أولا فيه النازلة ذلك الوقت، ثم عمت المساجد ثانيا في الحكم الثابت ما بقيت الدنيا، ولفظ الجمع يقتضي عموم المساجد كلها، ويحتمل أن يراد به المسجد الحرام في الموضعين وحده على أن يقدر كل موضع سجود فيه مسجدا ثم يجمع، ولفظ الإفراد في الموضعين يقتضي خصوص المسجد الحرام وحده، ويحتمل أن يراد به الجنس فيعم المساجد كلها ولا يمنع من ذلك إضافته كما ذهب إليه من لا بصر له، وقال أبو علي الثاني في هذه القراءة يراد به الأول وسائر المساجد كلها حكمها حكم المسجد الحرام، وقوله شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ إشارة إلى حالهم إذ أقوالهم وأفعالهم تقتضي الإقرار بالكفر والتحلي به، وقيل الإشارة إلى قولهم في التلبية إلا شريك هو لك ونحو ذلك، وحكى الطبري عن السدي أنه قال: الإشارة إلى أن النصراني كان يقول أنا نصراني واليهودي كذلك والوثني يقول أنا مشرك.
قال القاضي أبو محمد: وهذا لم يحفظ، ثم حكم الله تعالى عليهم بأن أعمالهم حَبِطَتْ أي بطلت ولا أحفظها تستعمل إلا في السعي والعمل، ويشبه أن يكون من الحبط وهو داء قاتل يأخذ السائمة إذا رعت وبيلا وهو الذي في قول رسول الله ﷺ «إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم» الحديث.
قوله عز وجل:
[سورة التوبة (٩) : الآيات ١٨ الى ١٩]
إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨) أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩)
المعنى في هذه الآية إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ بالحق لهم والواجب، ولفظ هذه الآية الخبر وفي ضمنها أمر المؤمنين بعمارة المساجد، وقد قال بعض السلف إذا رأيتم الرجل يعمر المسجد فحسنوا به
الظن، وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا عليه بالإيمان» وقد تقدم القول في قراءة مسجد، وقوله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ يتضمن الإيمان بالرسول إذ لا يتلقى ذلك إلا منه، وقوله وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ حذفت الألف من «يخشى» للجزم، قال سيبويه: واعلم أن الأخير إذا كان يسكن في الرفع حذف في الجزم لئلا يكون الجزم بمنزلة الرفع، ويريد خشية التعظيم والعبادة والطاعة، وهذه المرتبة العدل بين الناس، ولا محالة أن الإنسان يخشى غيره ويخشى المحاذير الدنياوية وينبغي أن يخشى في ذلك كله قضاء الله وتصريفه، و «عسى» من الله واجبة حيثما وقعت في القرآن، ولم يرج الله بالاهتداء إلا من حصل في هذه المرتبة العظيمة من العدالة، ففي هذا حض بليغ على التقوى، وقرأ الجمهور «أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام» وقرأ ابن الزبير وأبو حمزة ومحمد بن علي وأبو جعفر القاري «أجعلتم سقاة الحاج وعمرة المسجد الحرام»، وقرأها كذلك ابن جبير إلا أنه نصب «المسجد» على إرادة التنوين في «عمرة» وقرأ الضحاك وأبو وجزة وأبو جعفر القاري «سقاية الحاج» بضم السين «وعمرة»، فأما من قرأ «سقاية وعمارة» ففي الكلام عنده محذوف إما في أوله وإما في آخره فإما أن يقدر «أجعلتم أهل سقاية» وإما أن يقدر كفعل من آمن بالله. وأما من قرأ «سقاة» و «عمرة» فنمط قراءته مستو، وأما قراءة الضحاك فجمع ساق إلا أنه ضم أوله كما قالوا عرف وعراف وظئر وظؤار، وكان قياسه أن يقال سقاء وإن أنث كما أنث من الجموع حجارة وغيره. فكان القياس سقية من أول مرة على التأنيث قاله ابن جني، وسِقايَةَ الْحاجِّ كانت في بني هاشم وكان العباس يتولاها، سقية من أول مرة على التأنيث قاله ابن جني، وسِقايَةَ الْحاجِّ كانت في بني هاشم وكان العباس يتولاها، قال الحسن: ولما نزلت هذه الآية قال العباس: ما أراني إلا أترك السقاية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أقيموا عليها فإنها لكم خير، وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ قيل هي حفظه من الظلم فيه ويقال هجرا، وكان ذلك إلى العباس، وقيل هي السدانة خدمة البيت خاصة، وكانت في بني عبد الدار وكان يتولاها عثمان بن طلحة بن أبي طلحة واسم أبي طلحة عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الدار، وشيبة بن عثمان بن أبي طلحة المذكور هذان هما اللذان دفع إليهما رسول الله ﷺ مفتاح الكعبة في ثاني يوم الفتح بعد أن طلبه العباس وعلي رضي الله عنهما، وقال ﷺ لعثمان وشيبة: «يوم وفاء وبر خذوها خالدة تالدة لا ينازعكموها إلا ظالم».
قال القاضي أبو محمد: يعني السدانة واختلف الناس في سبب نزول هذه الآية فقيل إن كفار قريش قالوا لليهود إنّا نسقي الحجيج ونعمر البيت، أفنحن أفضل أم محمد ﷺ ودينه؟ فقالت لهم أحبار اليهود بل أنتم، فنزلت الآية في ذلك، وقيل إن الكفار افتخروا بهذه الأشياء فنزلت الآية في ذلك، وأسند الطبري إلى النعمان بن بشير أنه قال: كنت عند منبر النبي ﷺ في نفر من أصحابه، فقال أحدهم ما أتمنى بعد الإسلام إلا أن أكون ساقي الحاج، وقال الآخر إلا أن أكون خادم البيت وعامره، وقال الثالث إلا أن أكون مجاهدا في سبيل الله، فسمعهم عمر بن الخطاب فقال: اسكتوا حتى أدخل على النبي ﷺ فأستفتيه فدخل عليه فاستفتاه فنزلت الآية في ذلك، وقال ابن عباس والضحاك:
إن المسلمين عيروا أسرى بدر بالكفر فقال العباس بل نحن سقاة الحاج وعمرة البيت فنزلت الآية في ذلك، وقال مجاهد: أمروا بالهجرة فقال العباس أنا أسقي الحاج وقال عثمان بن طلحة أنا حاجب للكعبة فلا نهاجر
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام بن عطية الأندلسي المحاربي
عبد السلام عبد الشافي محمد