ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚ

يبشرهم ربهم برحمة منه ورضون [ التوبة : آية ٢١ ] قرأ هذا الحرف عامة السبعة غير حمزة يبشرهم مضارع بشره يبشره. وقرأه حمزة من السبعة ١ : يبشرهم ربهم برحمة منه الآية، فعلى قراءة حمزة : يبشرهم مضارع ( بشره ) ثلاثيا مجردا ( يبشره ) بالضم. وعلى الجمهور : يبشرهم مضارع ( بشره ) بالتضعيف ( يبشره، تبشيرا ).
وقد قدمنا في هذه الدروس مرارا ٢ أن البشارة في لغة العرب هي الإخبار بما يسر، فكل من أخبرك بما يسرك فقد بشرك، وبشرك على اللغة الأخرى، وأنه يطلق أيضا على البشارة بما يسوء، فالعرب أيضا تسمي الإخبار بما يسوء ( بشارة ) إذا اقترن بما يدل على ذلك، وهو كثير في القرآن، كقوله : فبشرهم بعذاب أليم [ التوبة : آية ٣٤ ] وقد ذكرنا أنه أسلوب عربي معروف. تقول العرب : " بشره بكذا ". إذا أخبر بما يسوؤه، ومنه قول الشاعر ٣ :

يبشرني الغراب ببين أهلي فقلت له ثكلتك من بشير
وبين أهله مما يسوؤه الإخبار به. وقول الآخر ٤ :
أبشرتني يا سعد أن أحبتي جفوني وقالوا الود موعده الحشر
فجفاء الأحبة إخبار بما يسوء. ومعلوم أن الذين تكلموا في البلاغة والذين كانوا يقسمون الكلام إلى حقيقة ومجاز يقولون : إن البشارة حقيقة في الإخبار بما يسر، وهي في الإخبار بما يسوء استعارة عندهم، ويجعلونها من الاستعارة المسماة في اصطلاح البيانيين بالاستعار العنادية، ويقسمونها إلى تهكمية وتمليحية كما هو معروف في محله ٥. ونحن نقرر دائما أنها أساليب عربية، كلها حقيقة في محله، وقد وضعنا في ذلك رسالة تسمى ( منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز ) وهذا معنى قوله : يبشرهم ربهم برحمة منه ورضون [ التوبة : آية ٢١ ] الرحمة : مصدر رحمه، والرحمة من صفات الله ( جل وعلا )، ونحن معاشر المسلمين نصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، ونثبت له ما أثبت لنفسه، منزهين خالق السماوات والأرض عن مشابهة الخلق، فلا نميل إلى التعطيل، ولا إلى التمثيل، بل نقر بصفات الله ونؤمن بها على سبيل المخافة لصفات الخلق، كما علمنا الله في قوله : ليس كمثله شيء وهو السميع البصير [ الشورى : آية ١١ ] ومرارا نوضح مذهب السلف في آيات الصفات عند كل المناسبات.
ومعنى قوله : يبشرهم ربهم برحمة منه ورضون [ التوبة : آية ٢١ ] قرأ هذا الحرف عامة السبعة غير شعبة – أبي بكر – عن عاصم : ورضون بكسر الراء. وقرأه شعبة عن عاصم ورضوان بضم الراء ٦ وهما لغتان فصيحتان، وقراءتان صحيحتان ؛ لأن العرب تقول في مصدر رضي تقول : رضي يرضي رضاء ورضوانا. وتزيد فيه الألف والنون، والألف والنون تزادان في بعض المصادر كثيرا كالكفران والرجحان والغفران والرضوان. والكسر والضم لغتان فيه، ورضوان الله : رضاه ( جل وعلا )، والرضا أيضا صفة من صفات الله ( جل وعلا ) أثبت لنفسه الاتصاف بها إذا امتثلت أوامره واجتنبت نواهيه، كما قال تعالى : رضي الله عنهم ورضوا عنه [ البينة : آية ٨ ] ونحن دائما نوصي أنفسنا وإخواننا وعامة المسلمين أن يعتقدوا في مذهب السلف المعتقد الواضح الذي هو في ضوء القرآن العظيم، الذي لا إشكال فيه ولا قيل ولا قال، وصاحبه يلقى الله سالما من البلايا التي وقع فيها الناس الذين أكثروا الخوض في ذلك بقيل وقال.
وإيضاح مذهب السلف في آيات الصفات كما بينه القرآن وأوضحه هذا المحكم المنزل أنه يتأسس على ثلاثة أصول من جاء بها كاملة لقي الله سالما، ومن أخل بواحد منها أوقع نفسه في بلية فلا يدري هل يتخرج منها أو لا ؟ ٧.
أول هذه الأسس : هو الأساس الأعظم للتوحيد، والحجر الأساسي لمعرفة الله على طريق صحيح، هذا الأساس الأعظم هو : أن يعتقد الإنسان أن خالق السماوات والأرض منزه عن مشابهة جميع خلقه في جميع صفاتهم وأفعالهم وذواتهم، فالخلق صنعة، والخالق ( جل وعلا ) صانع صنع الله الذي أتقن كل شيء [ ]النمل : آية ٨٨ والصنعة لا تشبه صانعها، فمن رزقه الله فهم هذا الأساس عن الله وعلم أن الخلائق صنعة، وأن خالقهم هو صانعهم ومدبرهم ومنشئهم علم أنه لا مناسبة بين صفاته وصفاتهم، وأنه منزه كل التنزيه، مقدس كل التقديس عن مشابهة خلقه، لا في ذواتهم، ولا في صفاتهم، ولا في أفعالهم. هذا الأساس الأعظم، فمن رزقه الله هذا الأساس، وفهمه عن الله، وطهر قلبه من أدران التشبيه، وأقذار التمثيل، كان يهون عليه بعد ذلك أن يصدق الله فيما وصف به نفسه، ويؤمن بصفات الله على الوجه اللائق بكماله وجلاله ٨.
وهذا الذي أقوله لكم ليس من تلقاء نفسي بل هو من تعليم خالق السماوات والأرض في المحكم المنزل الذي هو أعظم كتاب أنزله الله على أشرف رسول، لأن الله يقول فيه : ليس كمثله شيء وهو السميع البصير [ الشورى : آية ١١ ] فوضع الأساس الأول الذي هو أساس التنزيه ومخالفة الخلق في ذواتهم وصفاتهم وأفعالهم بقوله : ليس كمثله شيء [ الشورى : آية ١١ ] ثم وضع بعده الأساس الثاني وهو الإيمان بصفات الله على أساس ذلك التنزيه، لا إيمانا دنسا وسخا ذاهبا إلى صفات الخلق، لا.. لا.. لا، بل هو إيمان منزه مبني على أساس التنزيه. وقوله : وهو السميع البصير بعد قوله : ليس كمثله شيء فيه سر أعظم، ومغزى أكبر، وتعليم عظيم من رب العالمين، كأنه يقول لك : تعقل يا عبدي وتفهم، ولا تنفي عني سمعي وبصري بدعوى أن المخلوقات تسمع وتبصر، وأن إثبات ذلك فيه تشبيه، لا.. لا.. ، راع في إثبات السمع والبصر أول الآية، وابنه على نفي المماثلة والمخالفة، اربط أول الآية بآخرها، فأولها تنزيه، وآخرها إيمان بالصفات على أساس ذلك التنزيه، فلا تقطع أول الآية من آخرها، ولا آخرها من أولها، بل اربط بينهما، ولا تقل : المخلوقات تسمع وتبصر، وإثبات السمع والبصر لله تشبيه. لا، أثبت السمع والبصر، ولكن إثباتا مبينا على ليس كمثله شيء لا إثباتا وسخا نجسا قذرا ذاهبا إلى صفات الخلق، لا.. لا، فأول الآية تنزيه بلا تعطيل، وآخرها إيمان بالصفات وإثبات لها بلا تمثيل.
الأصل [ الثالث ] ٩ من هذه الأصول الثلاثة : هي أن يعلم الإنسان قدره، ويقف عند حده ؛ لأن خالق السماوات والأرض أعظم وأجل وأكبر من أن تحيط بع العقول المخلوقة المسكينة، والله يقول : يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما ( ١١٠ ) [ طه : آية ١١٠ ] فنفى الإحاطة للعلم البشري عن خالق السماوات والأرض نفيا باتا.
فمن لقي الله وهو متمسك بهذه الأسس الثلاثة في ضوء كتاب الله لقيه في سلامة وفي غير ندامة. ونحن الآن في طريقنا في إسراع وحث إلى الوقوف بين يدي الله ( جل وعلا ) ؛ لأن هذه اللحظات والدقائق والثواني يظن الجاهل أنها هادئة وأنها واقفة، وهي تقطع بنا آلاف الأميال إلى المحشر، فعن قريب ونحن قائمون بين يدي الله في صعيد واحد، ينفذنا البصر ويسمعنا الداعي، ويسألنا الله، والله يقول : فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين ( ٦ ) [ الأعراف : آية ٦ ] فوربك لنسئلنهم أجمعين ( ٩٢ ) عما كانوا يعملون ( ٩٣ ) [ الحجر : الآيتان ٩٢، ٩٣ ] فيوشك أن يقول لنا : ماذا كان موقفكم من صفاتي التي كنت أثني بها على نفسي في كتابي، ويثني بها علي رسولي صلى الله عليه وسلم ؟
[ ولا يقول لك الله : لم نزهتني عن مشابهة خلقي ؟ لا والله، لا يقول لك ذلك ] ١٠/ أبدا بل تنزيه رب السماوات عن مشابهة خلقه في ذواتهم وصفاتهم وأفعالهم طريق سلامة محققة لا شك فيه، ولا يقول لك الله : لم صدقني فيما مدحت به نفسي، وأثنيت به على نفسي، وأنزلته في كتابي معلما خلقي أن يمدحوني به ؟ ! لا يقول لك : هذا ابدا، ولا يقول لك : لم تقف عند حدك، وتقر بما لا تعلم ؟ لأن الله يقول : ولا يحيطون به علما بل هي كلها طرق سلامة محققة.
واعلموا أيها الإخوان أن أول البلايا ومنشأ الرزايا كله من أنجاس القلوب بسبب التشبيه، كل البلايا منشؤها الوحيد بسبب أنجاس القلوب من أقذار التشبيه. هذا أصل البلاء والمحن والفتن الذي طبقت وجللت هذه المعمورة ؛ لأن السلفي – مثلا – العامل بضوء القرآن، إذا سمع الله يثني على نفسه بصفة من الصفات التي أثبتها لنفسه، سواء كانت صفة ذات أو صفة فعل، كقوله : ثم استوى على العرش [ الفرقان : آية ٥٩ ] امتلأ قلبه إجلالا وتعظيما وإكبارا، وعلم أن هذا الاستواء الذي أثنى الله به على نفسه في سبع آيات من كتابه أنه بالغ من غايات الكمال والجلال والتنزيه والتقديس والمباعدة عن صفات المخلوقين ما يقطع جميع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين. أما إذا كان قلب الإنسان فيه بعض أقذار التشبيه فأول ما يسبق على ذهنه أن هذا الاستواء ظاهره استواء المخلوقات – سبحان الله وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا – فيخطر في ذهنه أنه انتصاب كانتصاب هذا، فيتقذر القلب من أقذار التنجيس والتشبيه، فعند ذلك تأتي البلايا، وبعد ذلك إذا قال : ظاهر هذا هو مشابهة صفات المخلوقين جاءت البلايا من هنا، ثم إنه دعاه شؤم هذا التشبيه إلى أن ينفي هذه الصفة عن الله، ومن ينفي عن الله وصفا أثبته لنفسه فهو " أجرأ من خاصي الأسد " ١١. ثم إذا نفى هذه الصفة عنه ذهب يتلمس إلى وصف في زعمه ملائم، ثم يبدل الاستواء بالاستيلاء فيقول : استوى معناه استولى ! ! ويضرب لهذا مثلا بقول الراجز في بشر بن مروان ١٢ :
قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق
فهذا غلط شديد كبير أيها الإخوان ! ! ونحن نرجو الله أن الذين وقعوا فيه من العلماء أن يعفو الله عنهم ويغفر لهم لحسن نياتهم، فهم كما قال الشافعي رحمه الله ١٣ :
رام نفعا فضر من غير قصد ومن البر ما يكون عقوقا
ونرجو الله ألا يكونوا كالذين قال الله فيهم : فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون ( ٥٩ ) [ البقرة : آية ٥٩ ]. وهذا الذي ذهبوا إليه أعظم وأشر وأضر من الذي فروا منه ؛ لأنا نقول : أيها الإنسان الذين ضربت مثلا لاستيلاء الله على عرشه الذي فسرت به الاستواء من تلقاء نفسك باستيلاء بشر بن مروان على العراق وضربت له المثل ببيت الرجز المذكور :
قد استوى بشر على العراق من غي سيف ودم مهراق
أما تستحي من الله ؟ أما تخاف الله ؟ وبأي مبرر سوغت لنفسك أن تشبه استيلاء الله على عرشه الذي زعمت باستيلاء بشر بن مروان على العراق ؟ وهل يوجد في الدنيا تشبيه أنتن وأخس وأقبح من هذا ؟ ! شبهت العرش بالعراق، ورب السماوات والأرض ببشر بن مروان، وهذا يفتح بابا إلى بحور من أنواع التشبيه لا ساحل لها أبدا ؛ لأنه فيه تشبيه استيلاء الله على عرشه المزعوم بكل مخلوق قهر مخلوقا فغلبه فاستولى عليه ! ! فمن هنا يضطر هذا القائل أن يقول : الاستيلاء الذي فسرت به الاستواء استيلاء منزه عن استيلاء المخلوقين. ونحن نقول : كيف تنزه وأنت تضرب له المثل باستيلاء بشر بن مروان ؟ ثم نقول : إذا لزمنا أن ننزه أحد الكلمتين : إما الاستواء الذي نص الله عليه في كتابه في سبع آيات من القرآن كتابا يتلى أو الاستيلاء الذي جئت به، أيهما أحق بالتنزيه ؟ والجواب : ولا شك أن كلام رب العالمين الذي أنزله وحيا يتلى من فوق سبع سماوات أحق بالتنزيه من
١ انظر: الإتحاف (٢/ ٨٩)..
٢ مضى عند تفسير الآية (٤٨) من سورة الأنعام..
٣ تقدم هذا الشاهد عند تفسير الآية (٤٨) من سورة الأنعام..
٤ السابق..
٥ السابق..
٦ انظر: الإتحاف (٢/ ٨٩)..
٧ راجع ما تقدم عند تفسير الآية (٥٢) من سورة الأنعام..
٨ وهذا هو الأساس، والأصل الثاني من الأصول الثلاثة المشار إليها..
٩ في الأصل: "الثاني"، وهو سبق لسان..
١٠ في هذا الموضع وقع مسح في التسجيل، وما بين المعقوفين [ ] زيادة يتم بها المعنى..
١١ انظر: الأمثال لأبي عبيد ص ٣٧٥..
١٢ مضى عند تفسير الآية (١٥٨) من سورة الأنعام..
١٣ مضى عند تفسير الآية (١٤٨) من سورة الأنعام..

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير