ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚ

ثم يذكر الحق بعد ذلك قوله تعالى :
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ ( ٢١ )
إذن فهذا قمة الفوز للقوم الذين يبشرهم الله في هذه الآية بالرحمة منه وبالرضوان المقيم. والبشارة - كما نعلم- هي نوع من الإعلام بشيء سوف يأتي مستقبلا، أي، أنك حين تبشر إنسانا فأنت تخبره بشيء قادم يسره.
إذن ففائدة البشارة أن تغري الإنسان بسلوك السبيل الذي يحققها، فأنا أبشرك بالنجاح إن استقمت وذاكرت واستمعت للأساتذة، ويشجعك كلامي لتجتهد حتى تحقق هذه البشارة، فكأن البشارة تجعلك تتخذ الوسيلة التي توصلك إليها.
ولذلك فقد قلنا : إن الأسباب والمسببات والعلة والمعلول والشرط والجواب ؛ كلها يجب أن تحرر بشكل آخر ؛ لأننا كنا نتعلم أن الشرط سبب في الجواب ؛ كقولك : " إن تذاكر تنجح "، وعلى ذلك فالشرط هو المذاكرة، وسبب الجواب هو النجاح، ونقول : لا، إن الجواب هو السبب في الشرط لأنك لا تذاكر إلا إذا تمثل لك النجاح بكل ما يحققه لك من فرحة، إذن فالشرط سبب في وجود الجواب واقعا. والجواب سبب في وجود الشرط دافعا، أي : أن الدافع لمذاكرتك وما يمثله لك النجاح من قيمة مادية ومعنوية. وكل إنسان يرغب في النجاح، لكن النجاح لا يتحقق بالدعاء فقط، بل بالمذاكرة التي تحقق النجاح كواقع. بمعنى أنك لا تذاكر إلا وقد تمثل لك النجاح بمواهبه ومزاياه ويفرح أهلك بك، وبفرحك بنفسك. ولهذا نقول : إن السبب هو الذي يوجد أولا في الذهن.
ومثال آخر : لنفترض أنك تريد أن تسافر إلى الطائف. فتكون الطائف هي الغاية، وتكون أنت قد خططت للوسيلة وفي ذهنك الغاية، إذن فالجواب يوجد دافعا، والشرط يوجد واقعا. وقوله تعالى : يُبشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ أي : يخبرهم بالنهاية السارة التي سوف يصلون إليها ليتحملوا مشقة التكاليف التي يأمرهم بها المنهج ؛ لأن الجنة محفوفة بالمكاره١، ولأن التشريع الإلهي تقييد لحرية الاختيار في العبد، والمؤمن مقيد بأوامر الله تعالى في " افعل " و " لا تفعل ".
ولكن غير المؤمن إنما يتبع هواه في كل حركاته، ويفعل ما يشاء له من الهوى ويطيع نزواته كما يريد، أما المؤمن فحريته فقط فيما لم يرد فيه تشريع من الله تعالى، أما ما يخضع للمنهج فهو مقيد الحركة فيما قضى الله به. فكأن الإيمان جاء ليقيد، ولكن إذا قارنا بين الجزاءين، نجد أن الذي يتبع شهواته في الدنيا إنما يحصل على لذة موقوتة، وعمره في الدنيا محدود، إذن فهو الخاسر، لأن الذي قيد حركته بمنهج الله يأخذ اطمئنانا في الدنيا ونعيما مقيما لا يزول ولا ينتهي في الآخرة٢. والمثال الذي أضربه دائما هو الطالب الذي لا يذهب إلى المدرسة ولا يذاكر، ولكن يقضي وقته في اللعب واللهو، وهو قد أعطى نفسه ما تريد، ولكنه أخذ متعة محدودة، ثم بعد ذلك يعيش في شقاء بقية عمره.
أما الذي قيد حياته بالمذاكرة، فقد منع شهوات نفسه من اللعب واللهو. وتكون الثمرة أنه يحقق لنفسه مستقبلا مريحا ومرموقا بقية عمره.
إذن فكل من الطالب الذي يجتهد وذلك الذي يلهو ويلعب، كل منهما أخذ لونا من المتعة. ولكن أحدهما أخذ متعة قصيرة جدا، ثم أصبح من صعاليك الحياة، أما الثاني فقد قيد نفسه سنوات معدودة ليتمتع بمستقبل ناجح.
كذلك أنت في الدنيا، إن قيدت نفسك بالتكاليف " افعل " و " لا تفعل "، فظاهر الأمر أنك قَيَّدْتَ حريتك، وإن فعلت ذلك برضا، فالله يعطيك راحة واطمئنانا ومتعة في النفس. ولذلك نجد الصلاة وهي التي يؤديها المسلم خمس مرات في اليوم على الأقل ؛ هذه الصلاة في ظاهرها غنها تأخذ بعضا من الوقت كل يوم، ولكنها تعطي راحة نفسية، كما أنها تعطي اقتناعا يفوق التصور إن خشع فيها الإنسان وأداها بحقها، وكان صلى الله عليه وسلم يقول : " يا بلال أرِحْنا بالصلاة " ٣
كما قال صلى الله عليه وسلم ضمن حديث رواه عنه أنس بن مالك رضي الله عنه " وجُعلَتْ قُرَّة عيني في الصلاة " ٤.
لأن التكليف ينتقل من المتعة إلى الراحة. ويتمتع الإنسان فيها بتجليات ربه وفيوضاته فترتاح نفسه وتهدأ. وانظر إلى قول الحق سبحانه وتعالى : يبشرهم ربهم ، تجد البشارة هنا آتية من رب خالق. والرب هو المالك، والمدبر الذي يرتب لك أمورك، وهو مأمون عليك.
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ ( التوبة : ٢١ )
والرحمة والرضوان من صفات الله تعالى وهي صفات ذاتية في الله، ومتعلقات العبد فيها أنه سبحانه يهبها لمن يشاء.
ويتابع المولى سبحانه وتعالى قوله :
وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ ( ٢١ ) ( التوبة )
ونجد أن هذا ترقٍّ وتدرجٌ في النعمة، فقد بشرهم الله سبحانه وتعالى أولا بالرحمة، وهي ذاتية فيه، ثم بنعمة دائمة في الحياة. ولنلحظ أن هناك فارقا بين النعمة والمنعم. ونضرب مثلا لذلك - ولله المثل الأعلى- إذا دعاك إنسان في بيته وقت الطعام ثم جاء بطبق فيه تفاح، لابد أن يكو التفاح في الطبق يكفي كل الجالسين بحيث يأخذ كل واحد منهم تفاحة، فإذا أمسك صاحب البيت بتفاحة وأعطاها لأحد الجالسين، فهذا مظهر من مظاهر رعاية خاصة من صاحب البيت، وتمييز لشخص ضيفه عن بقية الضيوف، وهذه تمثل درجة أعلى من الكرم والاهتمام، فهي تمثل الرحمة والرضوان. أما التفاح نفسه فهو النعمة، ومثله مثل الجنات.
وهكذا نرى أن هناك اختلافا في التكريم. والمؤمنون حين يرتقون في درجة الإيمان ؛ يعيشون دائما مع النعمة والمنعم ؛ فإذا جاء الطعام قالوا : " باسم الله "، وإذا أكلوا قالوا : " الحمد لله "، ولكنهم إذا ارتقوا أكثر في الإيمان عاشوا مع المنعم وحده، ولذلك يباهي الله بعباده الملائكة٥ ؛ يباهي بعبادتهم وطاعتهم التي يلتزمون بها على أي حالة يكونون عليها، ولو نزل بهم أشد البلاء وسلبت منهم النعم، وهؤلاء من أصحاب المنزلة العالية. ولذلك " فأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل٦ " ؛ ليرى الحق سبحانه وتعالى من يحبه لذاته وإن سلب منه نعمة، وهذه منزلة عالية. فمن عبد الله ليدخل الجنة أعطاها له، ومن عبده سبحانه ؛ لأنه يستحق أن يعبد، فسوف يرتقي في الجنة ليرى وجه الله في كل وقت ؛ وأما الآخرون فيرونه لمحات، ولذلك يكون الجزاء في الآخرة على قدر العمق الإيماني للعبد، لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى :
فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل صالحا ولا يُشرك بعبادة ربه أحدا ( الكهف : ١١٠ ).
وقال أحد الصالحين :" إني لا أشرك بك أحدا حتى الجنة، لأن الجنة أحد "
وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى : يبشرهم ربهم برحمة منه وقد ترحم ولكنك لا تنال الرضوان، فوضح المولى سبحانه وتعالى ذلك وأضاف " الرضوان " إلى " الرحمة "، ولذلك يقول الحق عز وجل : برحمة منه ورضوان والرضوان هو ما فوق النعيم. وبعد الرضوان يقول الحق سبحانه وتعالى : وجنات لهم فيها نعيم مقيم .
ولقائل أن يقول : هل هناك جنة ليس فيها نعيم ؟ ولماذا ذكرت النعيم ؟ والجنة وجدت أصلا لينعم فيها الإنسان.
ونقول لمثل هذا القائل : انتبه والتفت جيدا إلى المعنى : فالمتحدث هو الله سبحانه وتعالى. وقد يكون عند الإنسان نعمة واسعة، ولكن يحيا في الكثير من المنغصات، مما يجعله لا يستمتع بالنعمة، كمرض يملؤه بالألم، أو ابن عاق يكدر حياته، أو زوجة تملأ الحياة كدرا ونكدا، قد يحدث كل ذلك فلا يستمتع الإنسان بما يملك من نعمة الله ؛ لأن المكدرات قد أحاطت به. وهنا يريد الحق سبحانه وتعالى أن يلفتنا إلى أن جنة الآخرة ليس فيها منغصات الدنيا، بل هي صفاء واستمتاع، يعطي فيها الحق سبحانه وتعالى لعبده ما تشتهيه نفسه ويبعد عنه جميع المنغصات، وقد يخاف الإنسان ألا يدوم مثل هذا النعيم، لذلك يطمئن الله العبد المؤمن أنه نعيم مقيم ، قد ينظر إنسان إلى أن الإقامة مقولة تحمل التشكيك، فقد تستغرق الإقامة زمنا طويلا ثم تنتهي، وشاء الله - عز وجل - أن يطمئن المؤمن بوعد حق، فوعد المؤمنين بالخلود الأبدي في الجنة. فيقول سبحانه وتعالى :
خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( ٢٢ ) .

١ عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات". أخرجه مسلم في صحيحه (٢٨٢٢) وأحمد في مسنده (٣/٢٨٤-٢٥٤-١٥٣) والترمذي في سننه (٢٥٥٩) وقال: حسن غريب من هذا الوجه صحيح..
٢ وهذا في مثل قوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧) (النحل)
أما الذي خرج عن منهج الله وأعرض عنه فقد قال عنه القرآن: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) (طه)..

٣ أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٥/٣٦٤) وأبو داود في سننه (٤٩٨٥) عن رجل من أسلم، قاله أحمد واللفظ فيه..
٤ حديث أنس أخرجه أحمد في مسنده (٣/٢٨٥-١٩٩-١٢٨) والنسائي في سننه (٧/٦١) والحاكم في مستدركه (٢/١٦٢٠) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وتمام الحديث "حبب إليَّ من الدنيا النساء والطيب...".
٥ أخرج ابن ماجه في سننه (٨٠١) عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أبشروا.. هذا ربكم قد فتح بابا من أبواب السماء، يباهي بكم الملائكة: يقول: انظروا إلى عبادي قد قضوا فريضة، وهم ينتظرون أخرى" وقد أخرج أحمد في مسنده (٢/١٩٦)، قال البوصيري في الزوائد: هذا إسناد صحيح ورجاله ثقات..
٦ أخرجه أحمد (١/١٧٢) والترمذي (٢٣٩٨) وابن ماجه (٤٠٢٣) من حديث سعد بن أبي وقاص. قال الترمذي: حسن صحيح..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير